مع بدء العام الدراسي الجديد.. باقة ورد لمن يحافظ على رسالة التربية والتعليم
د. غسان عبد الله / القدس
د. غسان عبد الله / القدس
يجيء بدء العام الدراسي الجديد، ورغم كل الجهود التي بذلتها ولا تزال، وزارة التربية و التعليم وشركاءها من المؤسسات الحكومية و الأهلية، وما واكب تلك الجهود من تصريحاتٍ وشعاراتٍ سرعان ما تبخر غالبيتها، ذات أثر شحيح، يجيء هذا العام في ظل تحدياتٍ وعوائق تربوية، منها الموضوعية، ومنها الذاتية.
كون أن قطاع الطلبة في فلسطين يشكل نسبة لا يستهان بها، ترى العاملين والمهتمين بإحداث التنمية المستدامة يُعولون الكثير على مخرجات النظام التربوي المعمول به في مجتمعنا.
ثمة تحديات جسام يواجهها هذا النظام: منها الذاتي، ومنها الموضوعي الناجم عن الواقع السياسي الذي يعيشه مجتمعنا منذ عقود خلت، وما أفرزه هذا الواقع من إفرازات عديدة انعكست على مجمل النواحي الحياتية، والتي منها التربية والتعليم.
لنبدأ ببعض التحديات الذاتية:
• يلاحظ احتدام الصراعات والانقسامات السياسية في هذه الفترة، منها القديم الذي لا يزال ينخر العظام إلى يومنا هذا، ومنها جديد العهد، كلاهما له انعكاسات سلبية تتمثل في مواصلة نهج الاقصاء والتهميش بسبب الاختلافات الفكرية وصراع الولاءات السياسية، وبالتالي غياب المرجعية الوطنية الواحدة، ما يجعل حامل الرسالة التربوية يعيش بقلق دائم نظرا لفقد المناخ الاّمن وهذا ينعكس على الأداء التربوي والتعليمة له/ لها.
• استمرار اختزال الدوام المدرسي إلى 3 أيام كحد أدنى نظراً لشح المصادر المالية التي لا يخفى على أحد بعض من أسبابها، أضف الى ذلك شعور حامل الرسالة التربوية المقدّسة بعد الإنصاف في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
• عدم إخراط الشعب في أي مبادرة للتطوير التربوي المنشود نظراً لغياب الدور الفاعل لمجالس أولياء الأمور، بعد أن زجّت، غالبتها، ذاتها في اّتون الصراعات والانقسامات السياسية القائمة، واصطفافها إلى طرف دون الآخر بحثاً عن مآرب أُخرى غير تلك المتوقعة من أي مجلس أولياء أمور، يعي ويدرك دوره ورسالته، ولعل المبادرة الأخيرة التي اقترحها صانع القرار في تغيير شكل ونمط مصادر التعلم والتعليم، وما أثارته من تساؤلات لدرجة التشكيك وكيل الاتهامات.
• لو نظرنا إلى نسبة التكاثر السكاني في المجتمع الفلسطيني، تقفز إلى عقولنا أسئلة مشروعة ومباحة: هل تم تأمين الغرف الصفيّة اللازمة الجديدة في كافة تواجد الطلبة الجدد؟ وهل تم تزويد المدارس بالأجهزة والأدوات اللازمة لممارسة التعليم عن بعد، الذي بات نهجاً مألوفاً في مدارسنا، نظراً للظروف الذاتية والموضوعية؟ وهل تمت التهيئة النفسية للطلبة وحاملي الرسالة التربوية من خلال التدريب والتأهيل التربوي الذي يتطلب إشراك الأهالي بشكل ما؟ أم اكتفينا بتقبل الإملاءات من الدول والمؤسسات المانحة بإجراء تغييرات جوهرية، بعضها قد يمس العمود الفقري لنظام حياتنا من قيم وتقاليد وعادات، الأمر الذي حتما له تأثير على واقع الأمن القومي ومنسوب السلم الأهلي في مجتمعنا! أقول هذا، لأن من هو تحت السياط يدرك سر اللهب.
أما على صعيد الظرف الموضوعي، فمن أبرز التحديات تكمن في مدار القدس وما تواجه هذه المدارس من:
• معركة مستعرة تتجلى في فرض أسرلة المناهج التدريسية على قرابة 45 ألف طالب فلسطيني في هذه المدارس، وتجاوب بعض الرعاع ممن يعتبرون التربية والتعليم مهنة وليست رسالة،
ومما يبعث على السخرية، محاولة تطبيق ما يسمى ب منهاج "المواطنة" على من يعتبرهم القانون الرسمي سكاناً وغير مواطنين.
• الازدياد الملحوظ في عدد المدارس خارج جدار الفصل والتي تصنفها سلطة الأمر الواقع بمدارس معترف بها، لكنها غير قانونية. يكمن الهدف منها في إفراغ القدس من أكبر نسبة ممكنة من الطلبة المقدسيين وذويهم، إذ كان ولفترة ليست ببعيدة، يتم ضخ صباح كل يوم ما لا يقل عن 7000 طالب إلى مدارسهم في مدينة القدس، الأمر الذي كان يسهم في التواجد العربي بالمدينة، أما اليوم فترى الكثير من مدارس بات يطلق عليها مدارس المقاولات، والتي غالبيتها ينتهج سياسة "ما دمت تدفع لنا ملايين الشواقل، فأنت سيدي ونمتثل لأوامرك".
• غالبية المدارس، إن لم يكن جميعها، تفتقر إلى مستلزمات ممارسة العملية التربوية التعليمية، صفوف ملائمة، مختبرات وملاعب رياضية.. إلخ، ناهيك عن النقص الحاد في المباني والغرف الصفيّة.
ما العمل للحد من آثار هذه المعركة المستعرة؟
بداية، نؤكد على أنه إذا ما خسرنا المعركة السياسية في القدس، عار علينا أن نخسر المعركة التربوية – التعليمية أيضاً، مع إدراكنا المسبق أن المقدسيين لوحدهم لا يمكنهم مواجهة ذلك، وأن الخيارات المتاحة محدودة، لذا يمكننا في توظيف التربية غير الرسمية من أنشطة وفعاليات خارج إطار التربية الرسمية (رحلات ميدانية، مباريات ومسابقات ومهرجانات ثقافية).
- الاستثمار في وعي وثقافة المعلمة/ المعلم وايمانه بأهمية رسالته هذه، عند ممارستها، حيث يميل الى أنسنه الدرس وجعله مرتبطا بالواقع الذي يعيشه الطالب، هنا يشعر المتعلم بإنسانيته ويشعر المعلم بأهمية رسالتها وقدسيتها، كأن يبدأ الدرس ب: التحية وما شاهده الطالب في الطريق أثناء قدومه الى المدرسة وماذا تعلم منه وذلك عبر لغة حوار متبادل ومتكافئ يقوم على الاحترام المتبادل.
- البدء بتشكيل المجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم في القدس، كمرجعية عربية للمدارس العربية في القدس- هذا ليس بديلاً، أو استعاضة عن الوزارة والتي ستبقى العنوان الأساس للفلسطينيين يقوم بالتشبيك مع المدارس في القدس، أسوة بتجارب سابقة، مدارس حسني الأشهب ولجنة المدارس الخاصة في القدس
- تعزيز دور المكتبة المدرسية والمكتبات العامة لسد النقص في منسوب الثقافة والرواية التاريخية جراء محاولات الطمس أو التزوير
- ضرورة الاستثمار في التراث والحكايات الشعبية من خلال المؤسسات الأهلية والأحواش والتي من شأنها المساهمة في تعزيز تبني القيم والأخلاق وزيادة التفاعل الاجتماعي، أحد الأعمدة العتيدة لبناء السلم الأهلي الذي نحن بأمس الحاجة اليه اليوم وكل يوم.
- ولأن اللبنة الأساس للنهوض بأي مجتمع هو الانسان، ولضمان دوام وجود مجتمعٍ خالٍ من الآفات والعنف (بكل أشكاله وأنماطه)، يتوجب تكثيف الاهتمام والجهود من أجل نشر وتعميم أهمية ثقافة الصحة النفسية عملاً لوجه الله وليس بهدف التجارة بمشاكل والاضطرابات السلوكية، هكذا نضمن تعزيز السلم الأهلي من خلال الحد من العنف وغيره من السلوكيات المرفوضة، ويكون ذلك عبر إعادة بناء توجيه العقول البشرية، ورفع مستويات تقدير الذات ومجابهة الأفكار النمطية السلبية المسبقة.



