القناة الخلفية مع واشنطن: هل يعود الفلسطينيون إلى دائرة الأوهام السياسية؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

يونيو 21, 2026 - 10:32
القناة الخلفية مع واشنطن: هل يعود الفلسطينيون إلى دائرة الأوهام السياسية؟

القناة الخلفية مع واشنطن: هل يعود الفلسطينيون إلى دائرة الأوهام السياسية؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
أثار ما كشفه عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين تيسير خالد بشأن الاتصالات التي جرت عبر "القناة الخلفية" بين الجانب الفلسطيني والإدارة الأميركية في السابع عشر من نيسان الماضي، جملة من التساؤلات السياسية والاستراتيجية حول طبيعة الدور الأميركي في القضية الفلسطينية، وحول ما إذا كانت القيادة الفلسطينية تتجه مجدداً نحو الرهان على وسيط أثبتت التجربة التاريخية افتقاره إلى الحياد والقدرة على فرض تسوية عادلة للصراع.
فالمسألة لا تتعلق بمجرد لقاءات أو اتصالات دبلوماسية اعتيادية، بل بطبيعة الرؤية الأميركية للقضية الفلسطينية في مرحلة تشهد تحولات إقليمية ودولية عميقة، وتراجعاً غير مسبوق في مكانة إسرائيل الدولية نتيجة حربها على غزة وما رافقها من اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
لقد جاءت تحذيرات تيسير خالد من "السقوط مجدداً في الوهم" لتعكس حالة قلق متزايدة داخل الأوساط السياسية الفلسطينية من إعادة إنتاج المسار ذاته الذي ساد منذ مؤتمر مدريد عام 1991 مروراً باتفاق أوسلو عام 1993 وحتى اليوم، وهو المسار الذي قام على افتراض أن الولايات المتحدة قادرة أو راغبة في لعب دور الوسيط النزيه بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
لكن حصيلة أكثر من ثلاثة عقود تشير إلى نتيجة مختلفة تماماً؛ فقد تحولت واشنطن من وسيط مزعوم إلى شريك كامل في إدارة الصراع وفق الرؤية الأمنية الإسرائيلية، بينما تراجعت القضايا الجوهرية المتعلقة بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة إلى مرتبة ثانوية أمام اعتبارات الأمن الإسرائيلي.
الملف الفلسطيني بعيون أميركية: قضية أمنية لا قضية تحرر وطني
تكشف المعطيات المتداولة حول هذه الاتصالات أن الإدارة الأميركية الحالية لا تنظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب واقع تحت الاحتلال يسعى إلى تقرير مصيره وفق قرارات الشرعية الدولية، بل باعتبارها ملفاً أمنياً يحتاج إلى إدارة وضبط ومنع الانفجار.
ومن هنا يمكن فهم تركيز الجانب الأميركي على قضايا الأجهزة الأمنية الفلسطينية وإعادة هيكلتها وآليات عملها ومستقبل التنسيق الأمني، أكثر من تركيزه على إنهاء الاحتلال أو وقف الاستيطان أو تنفيذ قرارات الأمم المتحدة.
إن هذا النهج ليس جديداً، بل يشكل امتداداً لسياسات أميركية متعاقبة قامت على مفهوم "إدارة الصراع" بدلاً من حله، وهو المفهوم الذي منح إسرائيل الوقت الكافي لتوسيع مشروعها الاستيطاني وفرض وقائع جديدة على الأرض جعلت إقامة الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن إصلاحات فلسطينية، تواصل إسرائيل توسيع المستوطنات وفرض سيادتها الفعلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، بينما تتعرض القدس لعملية تهويد متسارعة، وتواجه غزة حرباً مدمرة غير مسبوقة.
الوصاية السياسية أم الشراكة السياسية؟
الأخطر في المعلومات المتداولة هو الحديث عن اشتراطات أميركية وإسرائيلية تتعلق بمختلف مفاصل النظام السياسي الفلسطيني، بدءاً من الأجهزة الأمنية وانتهاء بالانتخابات وأموال المقاصة.
فإذا صحت هذه المعطيات، فإننا نكون أمام محاولة لإعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني وفق معايير أمنية إسرائيلية، بحيث تصبح الأولوية لضمان الاستقرار الأمني وخدمة متطلبات الاحتلال بدلاً من تعزيز المشروع الوطني الفلسطيني.
وتبرز هنا إشكالية جوهرية تتعلق بمفهوم السيادة الوطنية. فالشعوب لا تبني أنظمتها السياسية تحت الوصاية الخارجية، ولا يمكن لأي عملية إصلاح حقيقية أن تنجح إذا كانت مشروطة بإرادة الاحتلال أو بموافقة القوى الخارجية.
إن الإصلاح السياسي ضرورة فلسطينية وطنية، لكن الفرق كبير بين الإصلاح الذي ينبع من الحاجة الوطنية والإصلاح الذي يُفرض كشرط سياسي لإعادة إنتاج ترتيبات تخدم أجندات خارجية.
أموال المقاصة: أداة ابتزاز سياسي واقتصادي
تشكل قضية أموال المقاصة نموذجاً صارخاً لاختلال العلاقة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل برعاية أميركية.
فإسرائيل لا تكتفي باحتلال الأرض والسيطرة على المعابر والموارد، بل تستخدم أموال الشعب الفلسطيني أداة ضغط وابتزاز سياسي، عبر الاقتطاعات والاحتجازات المتكررة التي أدخلت الاقتصاد الفلسطيني في أزمات متلاحقة.
والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن الحديث عن بناء مؤسسات فلسطينية مستقرة في ظل استمرار هذه السياسة؟
وإذا كانت الإدارة الأميركية حريصة فعلاً على الاستقرار الاقتصادي الفلسطيني، فلماذا لم تمارس ضغوطاً حقيقية على إسرائيل للإفراج عن الأموال المحتجزة ووقف سياسة العقوبات المالية الجماعية؟
إن الإجابة تكشف حدود الدور الأميركي، وتوضح أن واشنطن غالباً ما تتعامل مع الأزمة المالية الفلسطينية باعتبارها وسيلة ضغط سياسية أكثر منها قضية حقوقية أو قانونية.
الاتفاقيات الإبراهيمية والقضية الفلسطينية
لا يمكن فصل هذه الاتصالات عن السياق الإقليمي الأوسع المرتبط بمحاولات توسيع دائرة التطبيع العربي الإسرائيلي.
فمنذ إطلاق ما يسمى "الاتفاقيات الإبراهيمية"، سعت الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى تحويل القضية الفلسطينية من مدخل للحل الإقليمي إلى ملف ثانوي يمكن تجاوزه أو تأجيله.
وهذا ما يفسر محاولات تقديم تحسينات اقتصادية أو إنسانية محدودة للفلسطينيين بالتوازي مع الدفع نحو توسيع العلاقات العربية الإسرائيلية، دون معالجة جوهر الصراع المتمثل بالاحتلال والاستيطان وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية.
لكن التطورات التي أعقبت حرب غزة أظهرت أن تجاوز القضية الفلسطينية لم يعد ممكناً، وأن أي ترتيبات إقليمية لا تأخذ الحقوق الفلسطينية بعين الاعتبار ستظل عرضة للاهتزاز وعدم الاستقرار.
المتغيرات الدولية وتراجع الهيمنة الأميركية
ثمة عامل آخر يجب أخذه بالحسبان، وهو التحول الجاري في النظام الدولي.
فالعالم اليوم لم يعد كما كان في تسعينيات القرن الماضي. فقد برزت قوى دولية جديدة، وتراجعت قدرة الولايات المتحدة على احتكار إدارة الملفات الدولية، فيما ازدادت مكانة المؤسسات القانونية الدولية والمحاكم الدولية والرأي العام العالمي.
كما أن الاعترافات الدولية المتزايدة بدولة فلسطين، والقرارات الصادرة عن المحاكم الدولية، والتغير الملحوظ في المزاج الشعبي العالمي تجاه القضية الفلسطينية، كلها عوامل تفرض مقاربة جديدة تتجاوز الرهان الحصري على واشنطن.
بين الواقعية السياسية والأوهام القديمة
لا أحد يعارض الحوار أو الاتصالات الدبلوماسية باعتبارها أدوات سياسية مشروعة، لكن التجربة الفلسطينية الطويلة تفرض قدراً كبيراً من الحذر.
فالسياسة لا تُبنى على النوايا بل على موازين القوى والوقائع والتجارب السابقة.
ومن هنا تكتسب تحذيرات تيسير خالد أهميتها؛ ليس لأنها ترفض الحوار مع الولايات المتحدة، بل لأنها تدعو إلى عدم تحويل هذا الحوار إلى رهان استراتيجي جديد يعيد إنتاج خيبات الماضي.
لقد أثبتت التجربة أن الحقوق الوطنية الفلسطينية لا يمكن أن تتحقق عبر التكيف مع شروط الاحتلال أو الرهان على ضغوط أميركية غير موجودة، بل عبر استراتيجية وطنية شاملة تقوم على الوحدة الوطنية، وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية، وتعزيز الصمود الشعبي، وتوسيع الحراك القانوني والدبلوماسي الدولي، والاستفادة من التحولات الجارية في موازين القوى العالمية.
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما الذي تريده واشنطن من الفلسطينيين، بل ما الذي يريده الفلسطينيون لأنفسهم، وكيف يمكن تحويل القضية الفلسطينية من ملف أمني تديره القوى الكبرى إلى قضية تحرر وطني تستند إلى الشرعية الدولية وحق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.