«فتح» بين أستدعاء التاريخ وصناعة المستقبل .

سبتمبر 11, 2026 - 19:26
سبتمبر 11, 2026 - 19:26
«فتح» بين أستدعاء التاريخ وصناعة المستقبل .

«فتح» بين أستدعاء التاريخ وصناعة المستقبل .

"رسالة مفتوحة إلى أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري والإستشاري للحركة ."

* د. مروان إميل طوباسي .

مع بدء اللقاءات والمجمعات الإنتخابية الفتحاوية في عدد من المحافظات ، والإستماع إلى الكلمات في عدد من المدن التي يُلقيها عدد من اعضاء اللجنة المركزية للحركة المنتخبين حديثا بالمؤتمر الثامن ، بما على انعقاده من ملاحظات تتعلق بمدخلاته ومخرجاته التي افتقرت الى العضوية السليمة ونقاش الفكر والسياسة . تبدو الحاجة ملحّة إلى نقاش لا يتعلق بالأشخاص ، ولا بالمواقف التنظيمية ، وإنما بمضمون الخطاب السياسي الذي تذهب به «فتح» إلى كوادرها وإلى شعبنا عشية استحقاق انتخابي ، غير مؤكد بَعد أو تتضارب الاخبار حول انعقاده ، بما يفترض أن يكون محدداً في اطار مفهومه كمعركة سياسية ومحطة لتجديد الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي واعادة رسم مشروعنا التحرري حتى دحر الأحتلال .

فما نسمعه حتى الآن بشكل عام يغلب عليه خطاب التعبئة التنظيمية والعاطفة واستحضار تاريخ الحركة وتضحياتها ومكانتها ، والتأكيد على وحدتها واستهدافها ودورها التاريخي . وهذه كلها مسائل لها أهميتها في وجدان أبناء «فتح» ، لكنها لا تكفي لتشكيل خطاب سياسي وانتخابي قادر على مخاطبة مجتمع متنوع يعيش واحدة من أصعب مراحل تاريخه ، لكن في وقت أصبح العالم فيه قرية معلوماتية صغيرة بتضامن وتواصل كل أحرار العالم معنا ، فيكونوا أحيانا في تقدمٍ عنا .

«فتح» لا تعاني من نقص في التاريخ حتى يكون المطلوب إعادة روايته في كل لقاء . تاريخها معروف ، وشهداؤها وأسراها ومناضلوها وتجربتها جزء من الذاكرة الوطنية الفلسطينية بل وتتصدرها . وما تحتاجه اليوم ليس أن تثبت أنها صنعت تاريخاً ، بل أن تقدم رؤيتها لما ستصنعه في المستقبل .

فالخطاب الشعبوي يستطيع أن يحشد القاعة ويثير الحماسة التنظيمية ، لكنه لا يستطيع وحده أن يعيد بناء الثقة . والناس خارج القاعات لا ينتظرون منا مزيداً من الشعارات ، بل إجابات عن أسئلة حياتهم ومستقبلهم وقضيتهم الوطنية .

ماذا تقول «فتح» اليوم لشعبنا عن مواجهة الأحتلال والإستيطان والضم وإرهاب المستوطنين ؟ ما استراتيجيتها السياسية بعد أن وصلت العملية السياسية بصيغتها السابقة إلى نهاياتها المعروفة ؟ وكيف ترى «فتح» مستقبل السلطة ووظيفتها وعلاقتها بالمشروع الوطني التحرري؟

وماذا تقول عن غزة ، وعن محاولات فرض الوصاية وإدارة السكان واللجنة الادارية وإعادة تعريف القضية الفلسطينية بعيداً عن جوهرها باعتبارها قضية تحرر وطني وحق في تقرير المصير ؟ وكيف ستعمل من أجل استعادة الوحدة الوطنية الشعبية وإنهاء الأنقسام وإعادة بناء منظمة التحرير ومؤسساتها على أسس ديمقراطية وتمثيلية ؟

وهناك أيضاً أسئلة الناس اليومية التي لا تقل وطنية عن الأسئلة السياسية الكبرى . ماذا عن الرواتب والبطالة والفقر وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل غير مبرر في العديد من الحالات والأحيان ؟ ماذا عن التعليم والصحة والضمان الإجتماعي ؟ ماذا عن الإقتصاد القادر على تعزيز صمود الناس وتقليل التبعية للأحتلال؟ وماذا عن التداخل في دور «فتح» بوظيفة السلطة ودورها ؟ ماذا عن الحريات العامة وسيادة القانون وفصل السلطات ومكافحة الفساد ومراكز النفوذ ؟ ماذا عن دور المرأة بالمجتمع امام ما تتعرض له ، والدور من حماية الأسرة ؟ ماذا عن الدور الحقيقي للشباب وصناعة القرار ؟ ماذا عن مواجهة الفكر الظلامي والأستخدامات السياسية للدين ؟ ماذا عن التشريعات القانونية والتعديلات المتكررة ؟ ماذا عن حرية الحركة عبر الطرق والمعابر ؟ ماذا عن الديمقراطية والعدالة الإجتماعية ؟ ماذا عن الأمن والأمان ؟ 

هذه ليست تفاصيل يمكن تأجيلها إلى ما بعد الإنتخابات ، إنها جوهر البرنامج الذي يفترض أن تذهب به أي حركة سياسية إلى شعبها طالبة ثقته .

والمسؤولية هنا لا تقع على متحدث بعينه ، ولا على قيادة بعينها ، إنها مسؤولية الحركة بمؤسساتها وأطرها وقياداتها وكوادرها خاصة مع انعقاد الدورة الأولى للمجلس الثوري بمشاركة اللجنة المركزية وأمانة سر المجلس الأستشاري . 

فالمطلوب ليس استبدال خطاب تعبوي بخطاب تعبوي آخر ، بل الانتقال من منطق التعبئة إلى منطق السياسة ، ومن استدعاء التاريخ إلى تقديم الرؤية والبرنامج ، ومن مطالبة الناس بالثقة إلى إعطائهم أسباباً سياسية وبرنامجية لمنحها .

وهذا يتطلب أيضاً أن تتحول المجمعات بما لها وما عليها من ملاحظات ، واللقاءات التنظيمية من ساحات لإعادة إنتاج الخطاب ذاته إلى مساحات حقيقية للنقاش . من حق الكادر أن يسمع ، ومن حقه أيضاً أن يسأل ويناقش وينتقد ويقترح ، وهو ما جرى نسبياً في لقاء رام اللّه مثلاً . 

فالحركة الوطنية الواسعة لا تقوى بالتصفيق ، بل بتعدد الآراء وقدرتها على تحويل اختلافاتها إلى سياسات وبدائل وبرامج .

إن «فتح» التي نحتاجها في الانتخابات المقبلة ليست «فتح» التي تقول للناس ، انظروا ماذا فعلنا بالأمس ، وإنما التي تستطيع أن تقول لهم بوضوح ، هذا ما نراه اليوم ، وهذا ما نريد تغييره ، وهذه أدواتنا ، وهذا برنامجنا ، وهذه مسؤوليتنا التي نقبل أن تحاسبونا عليها ، لا أن تقول بأننا لا نملك ما نقدمه لشعبنا .

فالتاريخ يمنح «فتح» رصيداً ، لكنه لا يمنحها تفويضاً دائماً . والشرعية لا تُورث من جيل إلى جيل ، ولا تستمد من الماضي وحده ، بل تتجدد بثقة الشعب وبالبرنامج والأداء والمساءلة .

لهذا ، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل «فتح» وهي تتجه إلى شعبنا ليس فقط من سيكون في قائمتها ، بل بأي معايير بعيداً عن العصبوية الجغرافية والعشائرية لتكون قأىمة وطنية سياسية ؟ وبأي مشروع ستذهب هذه القائمة إلى الناس؟ وأي رؤية للمستقبل ستحمل؟ فلا يكفي أن نقول بمشروع «فتح» وفقط . 

فالحركة التي صنعت تاريخاً لا يكفي أن تحرسه ، ولا أن تستدعيه كلما اقترب أستحقاق ، بل عليها أن تمتلك القدرة والشجاعة والرؤية لصناعة المستقبل وبأن تُصارح شعبها بكل التفاصيل ، فهو صاحب السلطات ومصدر الشرعيات .

* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح" .