فك الارتباط الأردني ووادي عربة.. بين الحقيقة القانونية ومحاولات إسرائيل إعادة تعريف الصراع

سبتمبر 11, 2026 - 19:31
سبتمبر 11, 2026 - 19:32
فك الارتباط الأردني ووادي عربة.. بين الحقيقة القانونية ومحاولات إسرائيل إعادة تعريف الصراع

فك الارتباط الأردني ووادي عربة.. بين الحقيقة القانونية ومحاولات إسرائيل إعادة تعريف الصراع

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

تعود قضية فك الارتباط الأردني بالضفة الغربية إلى واجهة النقاش السياسي والقانوني في ظل التحولات المتسارعة التي تمر بها القضية الفلسطينية، وما يرافقها من محاولات إسرائيلية لإعادة تعريف الصراع باعتباره مجرد نزاع إقليمي على الأرض والحدود.

وهنا تبرز ضرورة العودة إلى القانون الدولي والتاريخ السياسي بعيداً عن الانتقائية؛ لأن القضية الفلسطينية ليست نزاعاً عقارياً بين طرفين متساويين في المركز القانوني، وليست مسألة حدود قابلة لإعادة الرسم بالقوة، وإنما قضية شعب له حقوق وطنية وسياسية ثابتة، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير.

فك الارتباط.. ماذا يعني قانوناً؟

في 31 تموز/يوليو 1988 أعلن الملك الحسين بن طلال قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية، في سياق سياسي عربي وفلسطيني ودولي كانت فيه منظمة التحرير الفلسطينية قد أصبحت الإطار المعترف به عربياً لتمثيل الشعب الفلسطيني.

وكان القرار، في جوهره، إعادة تنظيم للعلاقة الأردنية–الفلسطينية وإنهاءً للارتباط القانوني والإداري الأردني بالضفة الغربية، وليس وثيقة تنازل لإسرائيل عن الأرض.

وهذه نقطة قانونية بالغة الأهمية: الأردن لم يكن يملك أن يمنح إسرائيل حقاً في الضفة الغربية، وفك الارتباط لم يكن نقلًا للسيادة إلى إسرائيل، كما أنه لم يكن اعترافاً بشرعية الاحتلال أو الاستيطان.

وبالتالي، فإن محاولة تفسير فك الارتباط باعتباره تنازلاً أردنياً عن الضفة لمصلحة إسرائيل تفتقر إلى أساس قانوني.

هل كان فك الارتباط مشروطاً بنجاح المشروع الفلسطيني؟

لا يوجد في قرار فك الارتباط ما يجعله قراراً مؤقتاً أو مشروطاً ببقاء منظمة التحرير أو نجاحها في إقامة الدولة الفلسطينية.

وفي المقابل، فإن فشل المشروع السياسي الفلسطيني لا يؤدي تلقائياً إلى إعادة الضفة إلى الأردن؛ لأن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره لا ينتقل تلقائياً إلى دولة أخرى نتيجة تعثر مؤسساته.

لكن ذلك لا يعني أن الأردن أصبح غير معني بمصير الضفة أو القضية الفلسطينية. فالتغير الجذري في الظروف يمكن أن يفتح المجال أمام إعادة تعريف العلاقة الأردنية–الفلسطينية، شريطة أن يكون ذلك بإرادة الطرفين، وألا يكون بديلاً عن الشخصية الوطنية الفلسطينية أو حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

القرار 181.. تصحيح مهم في الرواية القانونية

القرار الذي ينبغي الإشارة إليه بدقة هو قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 (II) لعام 1947، وليس القرار 191.

وقد حمل القرار عنوان «مستقبل حكومة فلسطين»، وتضمن «خطة التقسيم مع اتحاد اقتصادي»، ونص على قيام دولة عربية ودولة يهودية، مع نظام دولي خاص لمدينة القدس. واعتمدته الجمعية العامة في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947.

ومن الناحية القانونية، ينبغي عدم اختزال الحقوق الفلسطينية في القرار 181 وحده، لأن القرار صدر عن الجمعية العامة في صورة توصية وخطة سياسية ولم يكن بذاته معاهدة تمنح إسرائيل السيادة على فلسطين.

لكن القرار يظل محطة دولية تاريخية بالغة الأهمية، لأنه أقر، في إطار الحل الذي اقترحته الأمم المتحدة آنذاك، مبدأ وجود دولة عربية إلى جانب دولة يهودية في فلسطين، ولم يمنح أي طرف تفويضاً مفتوحاً لتغيير الواقع بالقوة.

والأهم أن القرار نفسه دعا إلى عدم القيام بأعمال تعرقل تنفيذ الخطة، وأشار إلى دور مجلس الأمن في مواجهة محاولات تغيير التسوية بالقوة.

ومن ثم فإن الاستناد إلى القرار 181 يجب أن يكون جزءاً من منظومة قانونية أوسع، لا بديلاً عنها.

إسرائيل لا تستطيع تحويل القوة إلى سند للسيادة

بعد عام 1967 أصبحت الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة ضمن الأراضي الفلسطينية المحتلة وفق الإطار القانوني الدولي.

وهنا يأتي التطور القانوني الأهم في العصر الحديث: رأي محكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز/يوليو 2024.

فالمحكمة أكدت أن الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 تشكل، من المنظور القانوني، وحدة إقليمية واحدة، وأن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير حق أساسي، وأن السياسات والممارسات الإسرائيلية التي تعيق هذا الحق تنتهك القانون الدولي. كما أكدت المحكمة أن ضم أجزاء من الأراضي الفلسطينية وممارسة السيادة عليها يخالف مبدأ حظر اكتساب الأرض بالقوة.

وهذه النتيجة لها دلالة استراتيجية بالغة: الاحتلال لا يتحول إلى سيادة لمجرد استمراره، والاستيطان لا ينشئ حقاً إقليمياً، والوجود العسكري لا يمنح الدولة القائمة بالاحتلال حقاً في ضم الأرض.

بل ذهبت المحكمة إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة أصبح غير قانوني في ضوء سياسات وممارسات الضم وإعاقة حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، مع تأكيد استمرار التزامات إسرائيل كقوة احتلال إلى حين إنهاء وجودها غير القانوني.

وماذا عن وادي عربة؟

معاهدة السلام الأردنية–الإسرائيلية لعام 1994 يجب أن تقرأ في سياقها الصحيح.

فهي معاهدة سلام بين دولتين، عالجت العلاقات والحدود والمسائل الثنائية، لكنها لم تمنح إسرائيل حق السيادة على الضفة الغربية، ولم تكن اتفاقاً فلسطينياً–إسرائيلياً يحسم مستقبل الأراضي المحتلة.

وعليه، لا يجوز استخدام وادي عربة لإثبات أن الأردن تنازل لإسرائيل عن الضفة، لأن وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة لم يكن موضوعاً لتنازل أردني لصالح إسرائيل.

بل إن القراءة القانونية المتأنية تقود إلى نتيجة مختلفة: فك الارتباط الأردني أنهى العلاقة الأردنية القانونية والإدارية بالضفة، ووادي عربة نظمت العلاقة الأردنية–الإسرائيلية، لكن أياً منهما لم ينشئ لإسرائيل حقاً في السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

القضية ليست نزاعاً على أرض.. بل على حق شعب

هذه هي النقطة التي ينبغي أن تشكل جوهر الخطاب الفلسطيني والعربي.

إسرائيل تحاول منذ سنوات نقل النقاش من سؤال «ما هو الوضع القانوني للاحتلال؟» إلى سؤال «من يملك الأرض تاريخياً؟»، ومن قضية شعب واقع تحت الاحتلال إلى نزاع تاريخي مفتوح يمكن حسمه بالقوة أو بفرض الأمر الواقع.

لكن القانون الدولي المعاصر لا يسمح بهذا المنطق.

فحق الفلسطينيين في تقرير المصير ليس منحة إسرائيلية، ولا نتيجة لفك الارتباط الأردني، ولا رهناً بموافقة قوة الاحتلال.

وقد أكدت محكمة العدل الدولية أن هذا الحق لا يجوز أن يكون خاضعاً لشروط تفرضها القوة القائمة بالاحتلال، وأن سياسات الضم وتجزئة الأرض الفلسطينية تعيق ممارسة هذا الحق.

ومن هنا فإن القضية الفلسطينية لا تبدأ عام 1967 فقط، ولا تختزل في خطوط الرابع من حزيران، وإن كانت هذه الخطوط تشكل أساساً مركزياً في الإطار السياسي والقانوني الدولي للحل.

كما أن الحقوق الفلسطينية لا تستمد من القرار 181 وحده، بل من تراكم تاريخي وقانوني دولي يشمل حق تقرير المصير، ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي الإنساني، وقرارات الأمم المتحدة اللاحقة، وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، والاعتراف الدولي المتنامي بالحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني.

الخلاصة

إن محاولة إسرائيل تقديم القضية باعتبارها مجرد نزاع حدودي تخفي جوهر المسألة القانونية.

الأردن فك ارتباطه بالضفة، لكنه لم يمنحها لإسرائيل.

ووادي عربة نظمت السلام والحدود بين الأردن وإسرائيل، لكنها لم تمنح إسرائيل سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

والقرار 181 هو القرار الصحيح لخطة التقسيم، وليس 191، لكنه لا يشكل وحده مصدر الحقوق الفلسطينية المعاصرة، بل يمثل محطة في المسار الدولي للقضية.

أما الأساس القانوني الأشد قوة اليوم فهو أن الشعب الفلسطيني يتمتع بحق غير قابل للتصرف في تقرير مصيره، وأن الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 وحدة إقليمية واحدة، وأن اكتساب الأرض بالقوة محظور، وأن الاحتلال لا يمكن أن يتحول إلى سيادة دائمة، وأن الاستيطان والضم لا ينشئان لإسرائيل حقاً قانونياً في الأرض. وقد أكدت محكمة العدل الدولية هذه المبادئ بصورة صريحة في رأيها الاستشاري لعام 2024.

وعليه، فإن المطلوب ليس إعادة كتابة التاريخ وفق الرواية الإسرائيلية، ولا تحويل فك الارتباط الأردني إلى ورقة في خدمة مشروع الضم، وإنما تثبيت قاعدة قانونية واضحة:

فلسطين ليست أرضاً بلا صاحب، والشعب الفلسطيني ليس جماعة سكانية تبحث عن حقوق مدنية داخل دولة أخرى؛ إنه شعب له حق أصيل في تقرير مصيره، والاحتلال ليس طريقاً إلى السيادة، والقوة لا تصنع حقاً، ومرور الزمن لا يحول الباطل إلى شرعية.

وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم أي تسوية مستقبلية: إنهاء الاحتلال، حماية وحدة الأرض الفلسطينية، صون حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ورفض أي ضم أو تهجير أو تغيير قسري للواقع الديموغرافي والجغرافي والسياسي للأرض الفلسطينية.