غادي آيزنكوت: ما هو البديل الذي تطرحه؟
غيرشون باسكن
غيرشون باسكن
يقدّم غادي آيزنكوت نفسه بوصفه أحد أكثر الشخصيات جدية ونزاهة في السياسة الإسرائيلية. ويمنحه سجله العسكري والعام مصداقية خاصة في القضايا التي ستحدد مستقبل إسرائيل: الأمن، والعلاقة مع الفلسطينيين، وطبيعة الدولة وهويتها.
ولهذا تحديدًا، فإن معارضته لحل الدولتين تستحق نقاشًا جديًا.
من حق آيزنكوت أن يعارض قيام دولة فلسطينية. لكن إذا كان هذا هو موقفه، فمن حق الإسرائيليين أن يسألوه سؤالًا بسيطًا:
ما هو البديل الذي تطرحه؟
لقد قامت سياسة بنيامين نتنياهو طوال سنوات حكمه، إلى حد بعيد، على افتراض أن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني لا يحتاج إلى حل، بل يمكن «إدارته». يمكن لإسرائيل أن تواصل السيطرة على الضفة الغربية، واحتواء حماس في غزة، واستخدام القوة العسكرية من حين إلى آخر، وتأجيل الحسم بشأن المستقبل السياسي لملايين الفلسطينيين إلى أجل غير مسمى.
كان يفترض أن يضع السابع من أكتوبر حدًا لهذه العقيدة.
فإذا كان آيزنكوت يرفض حل الدولتين من دون أن يطرح وجهة سياسية بديلة، فما الذي يميز استراتيجيته، في جوهرها، عن استراتيجية نتنياهو؟ الإدارة الأفضل، والقيادة الأكثر مسؤولية، والسياسة الأمنية الأكثر كفاءة كلها أمور بالغة الأهمية، لكنها لا تجيب عن السؤال الأساسي.
لدى الإسرائيليين أسباب مفهومة للتخوف من قيام دولة فلسطينية بعد السابع من أكتوبر. فقد حطم الهجوم كثيرًا من الافتراضات المتعلقة بحماس والردع والعقيدة الأمنية الإسرائيلية. لكنه لم يجعل الفلسطينيين يختفون، ولم يغير الواقع الديموغرافي والسياسي بين البحر المتوسط ونهر الأردن.
إذا أرادت إسرائيل أن تبقى الدولة القومية الديمقراطية للشعب اليهودي، فلا يزال الانفصال السياسي عن الفلسطينيين هو الخيار العملي الوحيد. قد تكون هناك حاجة إلى حدود أكثر أمنًا، واستخبارات أفضل، وقوات أكبر، لكن هذه أدوات وليست استراتيجية.
والدرس الأعمق من السابع من أكتوبر هو أن القضية الفلسطينية لا يمكن إدارتها أو احتواؤها إلى ما لا نهاية.
من المشروع أن يطالب آيزنكوت بأن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح، وأن تخضع المؤسسات الفلسطينية لإصلاحات عميقة، وأن توضع ترتيبات أمنية فعالة تمنع تحول الضفة الغربية إلى غزة أخرى. لكن هذه شروط تتعلق بكيفية قيام دولة فلسطينية من دون تعريض إسرائيل للخطر. وهي لا تجيب عن السؤال: ما البديل عن قيامها؟
إذا لم يكن الحل دولتين، فما هو إذًا؟
سيطرة إسرائيلية دائمة؟ ضم الأراضي؟ حكم ذاتي فلسطيني بلا سيادة؟ أم دولة فلسطينية في المستقبل، بعد الإصلاح ونزع السلاح ووضع ضمانات أمنية قابلة للتنفيذ؟
من حق الجمهور الإسرائيلي أن يعرف.
يعيش بين النهر والبحر عدد متقارب من اليهود والفلسطينيين. لا أحد من الشعبين سيختفي. التفوق العسكري الإسرائيلي قادر على هزيمة الجيوش وتدمير البنى العسكرية. لكنه لا يستطيع محو شعب آخر، ولا أن يجعله يتخلى إلى الأبد عن مطالبته بالحقوق السياسية.
ولهذا فإن استمرار السيطرة الإسرائيلية يقود، في نهاية المطاف، إلى أحد خيارين: إما دولة ثنائية القومية تفقد فيها إسرائيل طابعها كدولة قومية للشعب اليهودي، وإما سيطرة دائمة على ملايين الفلسطينيين من دون حقوق سياسية متساوية، بما يقوض الديمقراطية الإسرائيلية ويضمن استمرار الصراع.
لذلك فإن القول «أنا أعارض حل الدولتين» ليس سياسة ما لم يتبعه جواب واضح: وماذا تقترح بدلًا منه؟
ربما يكون في موقف آيزنكوت أيضًا حساب انتخابي. فمنذ السابع من أكتوبر، أصبح تعبير «دولة فلسطينية» شديد الحساسية سياسيًا لدى قطاعات واسعة من الإسرائيليين. والسياسي الذي يسعى إلى أصوات الوسط والوسط-يمين قد يرى في تأييد حل الدولتين مخاطرة انتخابية.
لكن هنا تحديدًا تُختبر القيادة.
القائد ليس فقط من يعرف كيف يقرأ الرأي العام، بل من يعرف أيضًا كيف يقوده عندما تفرض الوقائع ذلك. القيادة تعني تحديد المخاطر، وقول الحقائق الصعبة، وبناء تأييد عام لما يخدم المصالح بعيدة المدى للدولة.
وآيزنكوت، أكثر من كثيرين، يفترض أن يفهم ذلك. بصفته رئيسًا سابقًا لهيئة أركان الجيش الإسرائيلي، فهو يعرف أن القوة العسكرية يجب أن تخدم هدفًا سياسيًا. يمكن الانتصار في المعارك وخسارة المعركة الاستراتيجية إذا لم يكن هناك تصور واضح للواقع الذي يجب أن يليها.
إن استبدال نتنياهو بقائد أكثر كفاءة ومسؤولية، مع الإبقاء على العقيدة الأساسية نفسها تجاه الفلسطينيين، قد لا يعني أكثر من إدارة أفضل للاستراتيجية ذاتها التي أثبتت فشلها.
وهناك جانب آخر ينبغي لآيزنكوت أن يأخذه في الاعتبار: مواقف القادة الإسرائيليين تؤثر أيضًا في السياسة الفلسطينية.
يقترب الفلسطينيون من أول انتخابات تشريعية منذ عام 2006. والرسائل التي يسمعونها من إسرائيل مهمة. فالذين يدافعون عن المسار السياسي في الجانب الفلسطيني يواجهون منذ سنوات حجة تقول إن إسرائيل لن تسمح أبدًا باستقلال فلسطيني حقيقي، مهما فعل الفلسطينيون ومهما غيّروا قياداتهم.
كل قائد إسرائيلي يعلن أنه لن تقوم دولة فلسطينية أبدًا يعزز هذه الحجة، ويضعف أولئك الفلسطينيين الذين يحاولون إقناع شعبهم بأن العمل السياسي والدبلوماسية يمكن أن يحققا نتيجة.
يستطيع آيزنكوت أن يبعث برسالة مختلفة.
يمكنه أن يقول للفلسطينيين:
إذا انتخبتم قيادة ديمقراطية حقيقية، تسعى إلى السلام مع إسرائيل، وترفض الإرهاب، وتلتزم بمبدأ سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح شرعي واحد، وتعترف بالصلة التاريخية للشعب اليهودي بهذه الأرض، فستجدون في إسرائيل شريكًا مستعدًا للعمل معكم من أجل دولتين وأمن وسلام.
والاعتراف بالصلة التاريخية للشعب اليهودي بهذه الأرض لا يتطلب من الفلسطينيين التخلي عن صلتهم هم بها. فالروايتان الوطنيتان والتاريخيتان لا يجب أن تلغي إحداهما الأخرى.
ويجب أن تكون الرسالة واضحة أيضًا في موضوع الأمن. ستفعل إسرائيل دائمًا ما يلزم لحماية مواطنيها، وأي اتفاق مستقبلي يجب أن يتضمن ترتيبات أمنية موثوقة وقابلة للتنفيذ.
لكن إذا اختار الفلسطينيون قيادة تسعى بصدق إلى السلام، فعلى إسرائيل أن تكون مستعدة للاعتراف بها شريكًا والتعامل معها على هذا الأساس.
لا ينبغي لإسرائيل أن تقول للفلسطينيين: لا فرق في من تنتخبون، فلن تكون لكم دولة أبدًا.
بل ينبغي أن تقول: اختاروا السلام، وستجدون في إسرائيل من هو مستعد لاختيار السلام معكم.
مثل هذه الرسالة يمكن أن تؤثر في السياسة الفلسطينية. فإذا اعتقد الناخب الفلسطيني أن انتخاب قيادات براغماتية يمكن أن يقربه من الحرية والاستقلال، فستكون لديه مصلحة في اختيارها. أما إذا كانت إسرائيل تقول له إن أي خيار سياسي لن يغير واقعه، فإنها تعزز موقف الذين يقولون إن الدبلوماسية لا جدوى منها.
يمكن للانتخابات الإسرائيلية أن تؤثر في الانتخابات الفلسطينية، كما يمكن للانتخابات الفلسطينية أن تؤثر في مستقبل إسرائيل.
وأي اتفاق مستقبلي على أساس الدولتين لا يمكن أن يكون مجرد إعادة إنتاج لأوسلو وكأن السابع من أكتوبر لم يقع. يجب أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح، وأن تقوم على مؤسسات ديمقراطية خاضعة للمساءلة، وعلى حكومة شرعية واحدة وقوة أمنية شرعية واحدة، إلى جانب ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ ومشاركة إقليمية في الأمن وإعادة الإعمار. وفي الوقت نفسه، يجب أن تحتفظ إسرائيل بالقدرة على الدفاع عن نفسها أمام التهديدات الحقيقية.
يمكن الاختلاف طويلًا حول كيفية التنفيذ. لكن على إسرائيل أولًا أن تقرر إلى أين تريد الوصول.
المبدأ بسيط: لن تتمتع إسرائيل بالأمن ما لم يتمتع الفلسطينيون بالحرية، ولن يتمتع الفلسطينيون بالحرية ما لم تتمتع إسرائيل بالأمن.
هذان ليسا هدفين متناقضين. بل يعتمد كل منهما على الآخر.
إن قيادة فلسطينية تعترف بالصلة التاريخية للشعب اليهودي بهذه الأرض، وترفض الإرهاب، وتقبل باحتياجات إسرائيل الأمنية المشروعة، يجب أن تجد أمامها قيادة إسرائيلية مستعدة للقول: نحن نعترف بكم شركاء. فلنعمل معًا من أجل أن يعيش الشعبان بحرية وأمن وكرامة وسلام.
هذه هي القيادة. فهي لا تنتظر ظهور «الشريك المثالي»، بل تعمل على خلق الظروف السياسية التي تسمح بقيام شراكة حقيقية.
من حق آيزنكوت أن يرفض اتفاقًا معينًا، أو قيادة فلسطينية معينة، أو جدولًا زمنيًا معينًا. لكن من يطلب من الإسرائيليين أن يعهدوا إليه بقيادة الدولة لا يستطيع أن يكتفي بعكس مخاوفهم.
عليه أن يقول لهم إلى أين يريد أن يقود إسرائيل، وأن يكون مستعدًا أيضًا لإقناعهم بالسير معه.
لقد جرّبت إسرائيل بالفعل فكرة أن الصراع مع الفلسطينيين يمكن إدارته إلى أجل غير مسمى. وكان السابع من أكتوبر أقسى دليل على أن هذه الفكرة فشلت.
على آيزنكوت أن يقول لنا ما الذي تعلّمه من هذا الفشل.
والأهم: ما هو البديل الذي يطرحه؟



