طولكرم بين سيادة القانون وتفكيك الذرائع الأمنية: قراءة قانونية–سياسية في ضوء أداء المؤسسة الأمنية الفلسطينية وتفاعلات الخطاب الإسرائيلي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
طولكرم بين سيادة القانون وتفكيك الذرائع الأمنية: قراءة قانونية–سياسية في ضوء أداء المؤسسة الأمنية الفلسطينية وتفاعلات الخطاب الإسرائيلي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
مقدمة
تأتي العملية الأمنية التي أعلنت عنها قوى الأمن الفلسطينية في محافظة طولكرم، والتي أسفرت عن ضبط أسلحة ومتفجرات وذخائر وإحباط نشاط وُصف بالخطير، في سياق بالغ التعقيد من التداخل بين الأمن الداخلي الفلسطيني، والاعتبارات السياسية والأمنية الإسرائيلية في الضفة الغربية.
وتؤكد المعطيات المعلنة أن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية دقيقة، ونُفذت بمشاركة الأجهزة الأمنية المختصة، في إطار تطبيق القانون وحماية السلم الأهلي، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا من الجاهزية المؤسسية في بيئة أمنية شديدة الحساسية.
أولًا: الأمن الفلسطيني كأداة سيادة قانون لا مجرد وظيفة إجرائية
من منظور قانوني–مؤسسي، تعكس هذه العملية التزامًا بمبدأ احتكار السلطة الشرعية لاستخدام القوة، باعتباره أحد أهم ركائز الدولة الحديثة وسيادة القانون.
كما أن نجاح الأجهزة الأمنية الفلسطينية في ضبط أسلحة داخل بيئة خاضعة لاحتكاك أمني مستمر، يعزز مكانة المؤسسة الأمنية كفاعل أساسي في حماية النظام العام، ويؤكد أن الأمن الداخلي الفلسطيني ليس فراغًا كما يُروّج في بعض الخطابات السياسية، بل هو منظومة تعمل ضمن الإمكانيات المتاحة ووفق قواعد القانون.
ثانيًا: الخطاب الإسرائيلي بين العقيدة الأمنية والقراءة الميدانية
في المقابل، تكشف متابعة ما تنشره وسائل الإعلام الإسرائيلية والتقارير التحليلية الأمنية عن استمرار تبني المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لعقيدة تقوم على الوجود الميداني الدائم في شمال الضفة الغربية، باعتباره ضرورة أمنية استراتيجية.
فقد أشارت صحيفة The Jerusalem Post إلى أن الجيش الإسرائيلي يعتبر عملياته في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس جزءًا من “استراتيجية منع تشكل بؤر مسلحة”، وليس مجرد تدخلات ظرفية.
كما نقلت الصحيفة في تقارير أخرى أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ترى في استمرار عملياتها داخل هذه المناطق جزءًا من إعادة تشكيل البيئة الأمنية في الضفة الغربية، بما يضمن “منع التهديدات المحتملة” وفق وصفها.
وفي السياق ذاته، تناولت تحليلات صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) ومركز بيغن–السادات (BESA Center) أن أي تحسن في البيئة الأمنية الفلسطينية قد يساهم في تخفيف التوتر، لكنه لا يُلغي، وفق رؤيتها، الحاجة إلى عمل عسكري استباقي مستمر.
كما أظهرت مقالات لعدد من المحللين العسكريين الإسرائيليين في وسائل إعلام مثل يديعوت أحرونوت أن هناك إدراكًا متزايدًا بأن بعض العمليات الأمنية الفلسطينية تسهم في تقليل العبء العملياتي على الجيش الإسرائيلي، دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على تغيير العقيدة الأمنية العامة.
ثالثًا: دلالة العملية – سحب الذرائع لا تغيير العقيدة
إن نجاح الأجهزة الأمنية الفلسطينية في هذه العملية لا يمكن قراءته فقط كإنجاز أمني داخلي، بل أيضًا كعنصر في معادلة سياسية أوسع تتصل بما يمكن تسميته بـ “سحب الذرائع الأمنية” التي طالما استُخدمت لتبرير استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل المدن الفلسطينية. والجغرافيا الفلسطينية والمخيمات الفلسطينية
غير أن هذا النجاح، رغم أهميته، لا يعني بالضرورة تغييرًا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، بقدر ما يضعف أحد مبرراتها أمام الرأي العام الدولي، ويعزز في المقابل صورة المؤسسة الأمنية الفلسطينية كفاعل مسؤول في إدارة الأمن الداخلي.
رابعًا: الإطار القانوني الدولي وحقوق المدنيين
تخضع الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، بما فيها محافظة طولكرم، لقواعد القانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تحظر النقل القسري للمدنيين أو تهجيرهم إلا في حالات الضرورة العسكرية المؤقتة، مع وجوب ضمان العودة فور زوال الأسباب.
كما يؤكد القانون الدولي على مبدأ التناسب والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وهو ما يجعل استمرار تهجير السكان أو إعاقة عودتهم محل نقاش قانوني مستمر في ضوء المعايير الدولية.
وعليه، فإن عودة المهجرين إلى مخيمي طولكرم ونور شمس تمثل حقًا قانونيًا وإنسانيًا، لا يرتبط باعتبارات سياسية، بل بواجبات قانونية تقع ضمن مسؤوليات حماية المدنيين.
خامسًا: من الأمن إلى السياسة – معركة الرواية
تكشف تطورات طولكرم أن الصراع لم يعد محصورًا في البعد الأمني فقط، بل أصبح أيضًا معركة رواية قانونية وسياسية أمام المجتمع الدولي.
فبينما تسعى المؤسسة الفلسطينية إلى إثبات قدرتها على فرض سيادة القانون، تعمل الرواية الإسرائيلية على تبرير استمرار التدخل العسكري باعتبارات أمنية استراتيجية.
وفي هذا السياق، تتحول كل عملية أمنية فلسطينية ناجحة إلى عنصر في إعادة تشكيل الصورة الدولية حول قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم وفق قواعد القانون والمؤسسات.
خاتمة
إن ما جرى في طولكرم يعكس بوضوح أن الأمن في الضفة الغربية ليس مسألة تقنية أو ميدانية فقط، بل هو جزء من معادلة قانونية–سياسية معقدة.
فبين نجاح المؤسسة الأمنية الفلسطينية في فرض النظام الداخلي، وبين استمرار العقيدة العسكرية الإسرائيلية القائمة على التدخل الاستباقي، تتشكل معادلة مفتوحة على احتمالات متعددة.
غير أن الثابت قانونيًا وسياسيًا أن تعزيز سيادة القانون، وتقوية المؤسسات الأمنية والقضائية، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لعودة المهجرين، تمثل جميعها ركائز أساسية لأي استقرار مستدام.
وفي المقابل، فإن احترام قواعد القانون الدولي يظل الإطار الحاكم لأي تسوية عادلة، بعيدًا عن منطق القوة وحده.
إخلاء مسؤولية قانوني
يُقدَّم هذا التقرير والتحليل في إطار بحثي–صحفي مستقل، ويستند إلى قراءة موضوعية لمصادر إعلامية وتقارير مفتوحة وتحليلات أكاديمية متاحة وقت الإعداد. ولا يُمثل هذا العمل أي موقف رسمي لأي جهة سياسية أو حكومية أو مؤسسية، ولا يُقصد منه تبني أو رفض أي رواية سياسية بعينها.
إن جميع الاستنتاجات الواردة فيه تعبر عن اجتهاد تحليلي مهني ضمن إطار حرية البحث والتعبير، ولا ترقى إلى مستوى التقرير القضائي أو التحقيق الرسمي، وتظل قابلة للتحديث في ضوء أي معطيات جديدة أو مصادر موثوقة لاحقة.
إعداد وتقرير:
المحامي علي أبو حبلة



