لا بد من حماية النسيج الوطني والمجتمعي

أبريل 5, 2025 - 11:41
لا بد من حماية النسيج الوطني والمجتمعي

راسم عبيدات

الحرب على شعبنا تشتد وتتوسع، على قضيته وحقوقه ووجوده ووعيه، ناهيك عن الخراب الداخلي، فهناك خشية من أن يتسع الفتق على الراتق، وهذا ما نراه ونلمسه من حجم الخراب، حيث هناك أدوات ومليشيات تدفع باتجاة تفكيك وتفتيت المجتمع الفلسطيني، واختراق جدران حمايته المجتمعية والوطنية، عبر تسعير الخلافات العشائرية والحمائلية، والقائمة على "الفزعات"، وتحويل أي خلاف شخصي بين شخصين وإلباسه ثوب العشائرية وثوب الجهوية والطائفية، وكذلك نجد هناك من يعملون على التعدي على حقوق الناس وأملاكهم وممتلكاتهم  وفرض الأتاوات والخاوات عليهم، وبث ثقافة اليأس والإحباط بين صفوف الناس، ودفعهم إلى خيارات غير وطنية، تخدم المشاريع المعادية، ويبدو أن السلاح المشبوه وسلاح "الطوش" والزعرنه والبلطجة، بات ينتشر انتشار النار في الهشيم، وبه يجري بث تهديد الناس، وبث الرعب والخوف في صفوفهم، وبه تستسهل أيضاً عمليات إطلاق النار والقتل. وحواضن تلك المليشات والعصابات المنتفعة من حالة الفلتان، موجودة في العشائر وحتى لها حواضن أمنية وسياسية .

تفكك وانهيار الجبهة الداخلية، هو أخطر من الاحتلال واستمرار وجوده، فهذه الجبهة تسقطنا من الداخل، وتفقدنا لحمتنا ووحدتنا وتفككنا وطنياً ومجتمعاً.

ولذلك معركة حماية الوجود والنسيج المجتمعي، هي معركة اساسية، يجب أن يتجند فيها الجميع، وتوظف فيها طاقات وإمكانيات كبيرة، ولا بد من مساءلة ومحاسبة ونزع للغطاء عن تلك الجماعات، وحيثما أمكن تطبيق القانون، فلتكن الأولوية لتطبيقه، وفي المناطق التي يتعذر فيها تطبيق القانون، يجري الاستعانة برموز عشائرية ووطنية وشخصيات اعتبارية دينية ووطنية مشهود لها بالكفاءة والنظافة المالية، وللأسف تسللت إلى مؤسسة رجال الإصلاح المخلصين، أناس مدفوعين بمصالحهم، وحولوا عملية الإصلاح ووأد الفتن إلى تجارة "ورزقة"، حيث ينتصرون للظالم والمعتدي على حساب المظلوم والمعتدى عليه، إذا ما دفع لهم المال و"أكرمهم".

إذا فقدنا مناعتنا الداخلية، وتفكك نسيجنا المجتمعي، على غرار ما يطرحه المستشرق والأكاديمي الجامعي الإسرائيلي مردخاي كيدار أنه من الضروري العمل على إنهاء وتفكيك وجود السلطة الفلسطينية، والاستعاضة عنها بسلطة العشائر "الأقاليم السبعة"، أي تقسيم الضفة الى سبع محافظات، وكل محافظة تتحكم فيها العشائر الكبرى، وتكون مربوطة بجهاز الإدارة المدنية الإسرائيلية، والتي نزعت صلاحيتها لصالح حكم عسكري للضفة الغربية يقوده وزير المالية الإٍسرائيلي  المتطرف سموتريتش.

 نعم سنكون أمام مخاطر جدية وحقيقية، إذا ما تمكنت تلك الجماعات أن تفرض نفوذها وسطوتها على المجتمع، ولذلك يجب العمل على محاصرة مثل هؤلاء الأفراد وتلك الجماعات، وتفكيك بناها وهياكلها، والجميع مطالب بالتجند في هذه المعركة، فهي واحدة من معارك الوجود وحماية المشروع الوطني .

شعبنا يمر في أدق وأخطر مراحلة، والمخاطر المحدقة به كبيرة جداً  إلى درجة السعي لاقتلاعه بشكل كلي من أرضه ووجوده، والحلف المعادي لا يتورع عن استخدام كل الطرق والوسائل من أجل تنفيذ مشاريعه ومخططاته في هذا الإطار.

 فهناك من يقول إنه لا يوجد شعب فلسطيني وهذا اختراع عمره أقل من مئة عام، وهناك من يعرض خرائط لدولته، سواء على موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية باللغة العربية، أو من خلال دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة ، الدورتين 78 و 79، تجردنا من كافة حقوقنا، وتجعل منا تجمعات سكانية ليس لها أية حقوق وطنية سياسية ومجردة من هويتها وقوميتها، وحدود دولة الاحتلال لا تشمل فقط فلسطين التاريخية، بل أجزاء من الأردن وسوريا ولبنان والعراق وصولاً لمصر والسعودية.

لعل المبادرة التي أطلقتها محافظة القدس، لتعزيز وحماية البنية المجتمعية والسلم الأهالي وتحصينهما، تشكل مبادرة هامة في هذا الاتجاه، تحتاج إلى الرعاية والمتابعة والعمل الدؤوب، فنحن ندرك بأن الطرق غير سالكة والطاقات والإمكانيات والقدرات التي تضخ وتبذل وتتجند في هذه المهمة، تقف في طريقها عراقيل كثيرة من قبل الإحتلال، الذي همه الأساس إبقاء مجتمعنا مفككاً "تنهشه" وتمزقه الخلافات الأسرية والعشائرية والقبلية، ويغرق في مستنقع الأمراض المجتمعية، مثل المخدرات والانهيار القيمي والأخلاقي، وتغليب الهم الشخصي على الهم العام، وكذلك المنتفعين والمستفيدين في الداخل من مثل هذا التفكك والاحتراب العشائري والقبلي، سيضعون العصي في الدواليب، لكي لا تنجح مثل تلك المبادرات، ولكي يبقى المجتمع في دوامة العنف والاحتراب الداخلي، دون أن يلتفت إلى حقوقه الوطنية والسياسية.

المنتفعون من الباطل كثر، ولكل له أهدافه ومخططاته، ولذلك لن يمدوا أيديهم، من أجل تعزيز لحمة ونسيج المجتمع، ومنع تشرذمه وتفككه وانقسامه، ولكن عندما يتجند كل أهل الخير وتكون هناك أدوات مخلصة ومؤتمنة، فهي حتماً ستنجح في أن تخلق واقعاً جديداً، يشعر فيه أبناء شعبنا على مختلف مكوناتهم بالأمن والأمان والاطمئنان ، وعلى رأي المفكر والقائد الثوري العظيم ماوتسي تونغ "خطوة الألف ميل تبدأ بخطوة "، وكذلك نردد ونقول "أن تضيء شمعة خير من أن تلعن الظلام".

الجميع مطالب بأن يقف أمام مسؤوليته في حماية النسيج المجتمعي، وكذلك حماية السلم الأهلي، عبر عملية متكاملة من البيت والأسرة إلى المدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والأهلية والمجتمعية، والقوى والأحزاب والمرجعيات الرسمية في السلطة من محافظة ووزارة وأجهزة أمنية وشرطية وغيرها.

................

لعل المبادرة التي أطلقتها محافظة القدس، لتعزيز وحماية البنية المجتمعية والسلم الأهالي وتحصينهما، تشكل مبادرة هامة في هذا الاتجاه، تحتاج إلى الرعاية والمتابعة والعمل الدؤوب.