دمشق وتل أبيب: هل تفتح التحولات السياسية في إسرائيل نافذة للتهدئة؟
دمشق وتل أبيب: هل تفتح التحولات السياسية في إسرائيل نافذة للتهدئة؟
المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
تثير التحولات السياسية التي أفرزتها الانتخابات الإسرائيلية تساؤلات بشأن مستقبل العلاقة بين دمشق وتل أبيب، وإمكانية فتح مسار دبلوماسي جديد يفضي إلى خفض التصعيد ومعالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها الجولان السوري المحتل، والوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي السورية.
وفي هذا السياق، تداولت بعض الأوساط الإعلامية أنباء عن اتصال هاتفي بين الرئيس السوري أحمد الشرع وغادي آيزنكوت، تضمن تهنئة الأخير بنتائج الانتخابات والبحث في إمكانية معالجة الملفات العالقة وتهيئة الظروف لمرحلة أكثر استقراراً. غير أن هذه الأنباء، بما فيها تفاصيل الاتصال ومضمونه، تحتاج إلى تأكيد رسمي، ولا يصح التعامل معها باعتبارها تطوراً سياسياً محسوماً قبل صدور بيانات موثوقة من الجانبين.
سياسياً، فإن صعود آيزنكوت في المشهد الانتخابي الإسرائيلي يفتح باب النقاش حول احتمالات إعادة ترتيب الأولويات الأمنية والسياسية، لكنه لا يعني بالضرورة حدوث تحول جوهري في الموقف الإسرائيلي تجاه سوريا. فالتوازنات البرلمانية والحسابات الائتلافية ستظل عاملاً مؤثراً في تحديد توجهات الحكومة المقبلة، خصوصاً في ظل تعقيدات تشكيلها وتباين مواقف الأحزاب بشأن القضايا الأمنية والإقليمية.
الجولان والسيادة السورية أساس أي تفاهم
لا يمكن لأي مسار تفاوضي سوري إسرائيلي أن يتجاوز قضية الجولان المحتل، باعتبارها قضية سيادة وحقوق وطنية ثابتة وفق قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. كما أن الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي السورية التي سيطرت عليها إسرائيل عقب سقوط النظام السوري السابق يطرح تحديات إضافية أمام أي جهود لخفض التصعيد وإعادة الاستقرار إلى المنطقة.
ومن هذا المنطلق، فإن العودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، واحترام خطوط الفصل، ووقف الانتهاكات والتوغلات، تمثل خطوات ضرورية لبناء الثقة وتهيئة المناخ لأي مفاوضات جدية. ولا يجوز أن تتحول الترتيبات الأمنية إلى بديل عن معالجة جذور النزاع أو تكريس واقع جديد على حساب وحدة الأراضي السورية وسيادتها.
بين فرص الدبلوماسية وحسابات الإقليم
إن أي تقارب محتمل بين دمشق وتل أبيب لن يكون شأناً ثنائياً فحسب، بل سيتأثر بالمواقف الأمريكية والتركية والعربية، وبطبيعة التوازنات الإقليمية ومستقبل الاستقرار في جنوب سوريا. ومن هنا تبرز أهمية وجود موقف عربي داعم لوحدة سوريا وسيادتها، يحول دون فرض ترتيبات أحادية أو تحويل التهدئة إلى مدخل لانتقاص الحقوق الوطنية.
كما أن نجاح أي مسار سياسي يتطلب ضمانات واضحة والتزامات متبادلة، وآليات رقابة دولية تحول دون تجدد التصعيد، مع الالتزام بمبادئ القانون الدولي ورفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
التهدئة ليست بديلاً عن السلام العادل
إن فتح قنوات الاتصال، إذا تأكد، يمكن أن يشكل خطوة أولية نحو خفض التوتر، لكنه لا يكفي وحده لإنتاج تسوية مستدامة. فالمعيار الحقيقي لأي تحول سياسي يتمثل في ترجمة التصريحات إلى خطوات عملية تحترم السيادة السورية، وتعالج قضية الجولان، وتضمن الانسحاب من الأراضي المحتلة.
وفي المحصلة، فإن المنطقة تحتاج إلى مسار سياسي جاد ينهي منطق فرض الأمر الواقع، ويؤسس لاستقرار قائم على احترام الحقوق والسيادة المتبادلة، لا على تفاهمات أمنية مؤقتة. فسلام المنطقة لا يتحقق بتغيير الوجوه أو تبادل الاتصالات، وإنما بمعالجة أسباب الصراع وفق القانون الدولي والشرعية الدولية.



