الأغلبية تستطيع أن تبدأ التغيير في إسرائيل قبل تشكيل حكومة جديدة

غيرشون باسكن

أكتوبر 31, 2026 - 10:32
الأغلبية تستطيع أن تبدأ التغيير في إسرائيل قبل تشكيل حكومة جديدة

بقلم: غرشون باسكين

تشير نتائج استطلاعات الناخبين لدى خروجهم من صناديق الاقتراع إلى أن أغلبية واضحة من الإسرائيليين صوّتت ضد استمرار بنيامين نتنياهو في الحكم. فقد حصلت الأحزاب من خارج معسكره اليميني والديني، وفقًا لهذه الاستطلاعات، على ما بين 70 و73 مقعدًا في الكنيست. لكن هذه الأغلبية تضم أيضًا ما بين 17 و18 مقعدًا للحزبين العربيين، اللذين لا تزال معظم الأحزاب اليهودية المعارضة لنتنياهو ترفض التعامل معهما بوصفهما شريكين سياسيين محتملين.

وقد يتحول هذا الرفض إلى طوق نجاة سياسي لنتنياهو، رغم أن أغلبية الناخبين صوّتت ضد استمرار حكمه. لكن هذا المصير ليس حتميًا.

ثمة حقيقة دستورية مهمة تكاد تغيب عن النقاش السياسي في إسرائيل، وهي أن تشكيل حكومة جديدة ليس شرطًا لبدء التغيير. فالكنيست الجديد يستطيع ممارسة صلاحياته التشريعية والرقابية، وانتخاب رئيس جديد له، حتى قبل التوصل إلى اتفاق على تشكيل الحكومة المقبلة.

ولفهم أهمية هذه الحقيقة، لا بد من توضيح المسار القانوني الذي يتيح للأغلبية البرلمانية الجديدة التحرك.

أولًا، انعقاد الكنيست الجديد. بعد الانتخابات، ينعقد الكنيست ويؤدي أعضاؤه المئة والعشرون تصريح الولاء للدولة وقوانينها. وتواصل حكومة نتنياهو المنتهية ولايتها أداء مهامها إلى حين تشكيل حكومة جديدة، لكن ذلك لا ينتقص من صلاحيات الكنيست المنتخب، الذي يصبح قادرًا على ممارسة دوره التشريعي والرقابي بصورة مستقلة عن عملية تشكيل الحكومة.

ثانيًا، انتخاب رئيس جديد للكنيست. لا يشترط القانون تشكيل حكومة أو توقيع اتفاق ائتلافي قبل انتخاب رئيس للكنيست. وإذا تمكنت الأحزاب المعارضة لنتنياهو من الاتفاق على مرشح يحظى بالأغلبية المطلوبة، فإنها تستطيع انتخابه بدعم من النواب العرب. ولا يوجد في القانون الإسرائيلي ما يمنع هذا التعاون أو ينتقص من شرعية أصوات النواب العرب.

وليس هذا مجرد تفسير نظري للقانون. ففي آذار/مارس 2020، تدخلت المحكمة العليا الإسرائيلية عندما حاول رئيس الكنيست آنذاك، يولي إدلشتاين، منع إجراء تصويت على انتخاب رئيس جديد. وأكدت المحكمة أن من حق الأغلبية البرلمانية ممارسة صلاحيتها في اختيار رئيس الكنيست، وأنه لا يجوز تعطيل هذا الحق لأسباب سياسية.

ثالثًا، تنظيم العمل البرلماني وتشكيل اللجان. يستطيع الكنيست تشكيل لجنة الترتيبات واللجان المؤقتة، ومن ثم استكمال البنية البرلمانية اللازمة لمناقشة مشاريع القوانين وإقرارها. ولا تتوقف هذه الإجراءات على تشكيل حكومة جديدة.

رابعًا، البدء بالعملية التشريعية. يستطيع أعضاء الكنيست تقديم مشاريع قوانين، كما تستطيع الأغلبية الجديدة دفعها عبر المراحل التشريعية المنصوص عليها في القانون والنظام الداخلي للكنيست. وتخضع مشاريع القوانين المقدمة من النواب عادةً لقراءة تمهيدية وثلاث قراءات، إلى جانب المناقشات في اللجان المختصة. وقد تفرض الإجراءات البرلمانية فترات انتظار معينة، لكن النظام الداخلي يتيح في حالات محددة تسريع هذه الإجراءات.

وينبغي أن تكون الخطوة الأولى سنّ تشريع يضمن تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة في الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما تلاه من أحداث. وبالتوازي، يستطيع الكنيست البدء بمراجعة التشريعات التي أضعفت استقلال القضاء الإسرائيلي، وقوّضت آليات الرقابة على السلطة التنفيذية، تمهيدًا لإلغائها أو تعديلها.

وبطبيعة الحال، يحتاج كل قانون إلى الأغلبية المطلوبة لإقراره، وقد تستلزم بعض التعديلات على القوانين الأساسية أغلبية خاصة أو إجراءات إضافية. لكن المبدأ القانوني واضح: لا يشترط تشكيل حكومة جديدة حتى يتمكن الكنيست من ممارسة سلطته التشريعية.

خامسًا، استمرار المشاورات لتشكيل الحكومة بالتوازي مع عمل الكنيست. فبينما يجري رئيس الدولة مشاوراته مع الكتل البرلمانية ويكلّف أحد أعضاء الكنيست بتشكيل الحكومة، يمكن للبرلمان الجديد أن يواصل عمله. وقد تستغرق مفاوضات تشكيل الحكومة أسابيع طويلة، وربما أكثر، لكن ذلك لا يعني تجميد عمل السلطة التشريعية.

وخلال هذه الفترة، يبقى نتنياهو رئيسًا للحكومة المنتهية ولايتها، لكنه لا يستطيع أن يفترض أن استمرار حكومته يعني استمرار سيطرته على الكنيست.

وهنا تكمن الأهمية السياسية لهذا المسار.

ليس مطلوبًا من غادي آيزنكوت أن يتوصل إلى اتفاق ائتلافي مع أفيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت ويائير لبيد ويائير غولان ومنصور عباس وسائر ممثلي الأحزاب العربية، حتى يتمكن هؤلاء من التعاون داخل الكنيست.

وليس مطلوبًا منهم الاتفاق على حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، أو مستقبل المستوطنات، أو السياسة الأمنية، أو تركيبة الحكومة المقبلة. فهذه قضايا خلافية عميقة ستبقى مطروحة على جدول الأعمال السياسي. لكن بإمكانهم الاتفاق على مجموعة محددة من الخطوات البرلمانية التي تعكس نتائج الانتخابات وتعيد الاعتبار إلى المؤسسات الديمقراطية.

والأهم من ذلك أن التعاون مع الأحزاب العربية في التصويت على انتخاب رئيس الكنيست أو تمرير تشريعات معينة لا يعني بالضرورة مشاركتها في الحكومة المقبلة، ولا حتى التزامها بدعم تلك الحكومة.

فأصوات النواب العرب ليست أقل شرعية من أصوات النواب اليهود. وقد انتُخب هؤلاء النواب لتمثيل مواطنيهم، ويتمتعون بالحقوق البرلمانية نفسها التي يتمتع بها سائر أعضاء الكنيست. ومن غير المقبول ديمقراطيًا أن يُعترف بشرعية أصوات المواطنين العرب عند احتساب نتائج الانتخابات، ثم يجري تجاهلها عندما يتعلق الأمر بتشكيل الأغلبية البرلمانية.

وهنا يصبح السؤال سياسيًا أكثر منه قانونيًا: هل تستطيع الأحزاب المعارضة لنتنياهو تجاوز خلافاتها بما يكفي لاستخدام الأغلبية التي منحها إياها الناخبون؟

قد يرفض ليبرمان وبينيت تشكيل حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية، لكن هذا الرفض يعكس موقفًا سياسيًا، وليس قيدًا قانونيًا يمنع التعاون البرلماني معها. ويمكنهما الاستمرار في معارضة إشراك الأحزاب العربية في الائتلاف الحكومي، وفي الوقت نفسه التصويت معها على انتخاب رئيس جديد للكنيست أو إقرار تشريعات يتفقان على ضرورتها.

هذا التمييز بين تشكيل الحكومة وإدارة العمل البرلماني بالغ الأهمية. فإسرائيل ليست نظامًا رئاسيًا يمنح رئيس الحكومة سلطة مستقلة عن البرلمان. والكنيست ليس ملحقًا بالحكومة، بل سلطة تشريعية منتخبة تتمتع بصلاحياتها الدستورية الخاصة.

وإذا كانت نتائج الانتخابات قد أفرزت أغلبية معارضة لنتنياهو، فلا يوجد ما يلزم هذه الأغلبية بالانتظار حتى تنتهي المفاوضات الائتلافية لكي تبدأ بممارسة دورها.

يمكن انتخاب رئيس جديد للكنيست، وتشكيل اللجان، وتقديم مشاريع القوانين، وبدء العمل على إعادة بناء آليات المساءلة والرقابة الديمقراطية، فيما تستمر المفاوضات لتشكيل الحكومة المقبلة.

صحيح أن هذه الخطوات لن تؤدي بحد ذاتها إلى إزاحة نتنياهو عن رئاسة الحكومة؛ فذلك يتطلب تشكيل حكومة جديدة أو اتباع مسار دستوري آخر. لكنها ستضع حدًا لافتراض أن بقاء نتنياهو على رأس حكومة تصريف الأعمال يمنحه الحق في مواصلة التحكم بالسلطة التشريعية.

والمفارقة أن الأحزاب التي خاضت الانتخابات تحت شعار إنهاء حكم نتنياهو قد تمنحه فرصة جديدة للبقاء، إذا أصرت على استبعاد النواب العرب من أي تعاون برلماني، حتى عندما يكون هذا التعاون ضروريًا لترجمة نتائج الانتخابات إلى خطوات عملية.

ليس مطلوبًا من هذه الأحزاب أن تتخلى عن برامجها أو مواقفها السياسية، بل أن تدرك أن الديمقراطية تقوم على مبدأ بسيط: لكل صوت انتخابي القيمة نفسها، ولكل عضو منتخب في البرلمان الحقوق والصلاحيات نفسها.

لقد عانت إسرائيل خلال السنوات الماضية من أزمة سياسية ودستورية عميقة، ومن محاولات لإضعاف استقلال القضاء ومؤسسات الرقابة والمساءلة. ولا تستطيع تحمّل مرحلة جديدة من الشلل السياسي، فيما لا تزال الإخفاقات التي أدت إلى كارثة السابع من تشرين الأول/أكتوبر من دون تحقيق رسمي شامل ومستقل.

لقد أتاح الناخبون، وفقًا للنتائج الأولية، فرصة حقيقية للتغيير. والقانون يوفر الوسائل اللازمة للبدء بهذا التغيير، حتى قبل تشكيل حكومة جديدة.

السؤال ليس ما إذا كان ذلك ممكنًا من الناحية القانونية، بل ما إذا كانت لدى قادة الأحزاب المعارضة لنتنياهو الشجاعة السياسية للقيام به.

فالكنيست يستطيع أن يبدأ بتغيير إسرائيل قبل أن يكون لإسرائيل رئيس حكومة جديد.

لقد قال الناخبون كلمتهم، وحان الوقت لكي يقرر ممثلوهم المنتخبون ما إذا كانوا مستعدين لاحترام هذه الإرادة وترجمتها إلى أفعال.