نادي الفاضلية في عمّان… العطاء رسالة وفاء، والتعليم استثمار في مستقبل الأجيال
نادي الفاضلية في عمّان… العطاء رسالة وفاء، والتعليم استثمار في مستقبل الأجيال
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
ليست قيمة المؤسسات الوطنية والاجتماعية بما تقدمه من خدمات فحسب، بل بما تحمله من رسائل إنسانية، وما تتركه من أثر في حياة الناس ومستقبل الأجيال. ومن هذا المنطلق، تبرز تجربة نادي الفاضلية في عمّان بوصفها نموذجاً يستحق التقدير في العمل الأهلي والتكافل الاجتماعي، من خلال مبادرته لدعم الطلبة المحتاجين ومساندتهم في استكمال تعليمهم الجامعي، وتخفيف الأعباء المالية عن أسرهم.
إن ما يقوم به نادي الفاضلية، بقيادة رئيسه الدكتور فتحي أبو عرجة والهيئة الإدارية، يعكس فهماً عميقاً لدور المؤسسات الاجتماعية في الحفاظ على الروابط بين أبناء المدرسة الواحدة، وتحويل مشاعر الانتماء والوفاء إلى عمل مؤسسي منظم، تتجسد نتائجه في منح دراسية وفرص تعليمية تفتح أبواب المستقبل أمام الطلبة الذين تحول ظروفهم الاقتصادية دون استكمال دراستهم الجامعية.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الأسر الفلسطينية، وما تواجهه من أعباء متزايدة في تكاليف التعليم والمواصلات والاحتياجات الجامعية الأساسية. فمساعدة طالب على مواصلة تعليمه ليست مجرد مساهمة مالية عابرة، بل هي استثمار في الإنسان، وفي بناء مجتمع يمتلك العلم والمعرفة والقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
وتشير المعطيات التي أعلنها النادي إلى استمرار تقديم المنح للطلبة المستوفين للمعايير، بعد التحقق من أوضاعهم الأكاديمية بالتنسيق مع الجامعات، ومراجعة مدى استفادتهم من منح أخرى، بما يعزز العدالة والشفافية في توزيع المساعدات. كما تتواصل دراسة الطلبات الجديدة، في مسعى لتوسيع دائرة المستفيدين والوصول إلى أكبر عدد ممكن من الطلبة المستحقين.
ولا شك أن نجاح هذه التجربة يستند إلى روح العطاء التي يبديها أبناء الفاضلية وأصدقاؤهم ومحبوها، ممن أدركوا أن دعم التعليم مسؤولية مجتمعية وأخلاقية، وأن المساهمة مهما كانت قيمتها تشكل لبنة في بناء منظومة تكافل قادرة على الاستمرار. وتستحق هذه الروح الإشادة والتقدير، لما تجسده من وفاء للمدرسة وأبنائها، ومن حرص على إبقاء أبواب العلم مفتوحة أمام الأجيال الجديدة.
ومن هنا، فإن الدعوة موجهة إلى خريجي مدرسة الفاضلية الثانوية في طولكرم، أينما كانوا في الوطن أو في بلاد الاغتراب، من العلماء والأطباء والمهندسين والمعلمين والتجار والباحثين وأصحاب الشركات والأعمال، للمساهمة في هذا الصندوق التعليمي، ولو بمبلغ رمزي سنوي يتناسب مع قدرة كل فرد. فالقيمة الحقيقية ليست في حجم التبرع، وإنما في استمراريته، وفي اجتماع الجهود حول هدف إنساني نبيل.
إن توسيع قاعدة المساهمين من شأنه أن يوفر مورداً مستداماً يساعد في تغطية الاحتياجات الأساسية للطلبة، ويخفف العجز المالي، ويمنح الهيئة الإدارية قدرة أكبر على التخطيط والتوسع. كما أن تعميم فكرة المنتدى لتشمل مختلف محافظات الوطن، من خلال مبادرات مماثلة يتبناها أبناء فلسطين في الخارج، يمكن أن يؤسس لشبكة وطنية من التكافل التعليمي، تتبادل الخبرات وتوحد الجهود لخدمة الطلبة المحتاجين.
وفي الوقت ذاته، فإن استمرار هذه المبادرات يتطلب ترسيخ معايير واضحة للتدقيق والحوكمة، وإجراء مسح اجتماعي دقيق للطلبات، والتحقق من الظروف الاقتصادية للأسر، والأوضاع الأكاديمية للطلبة، ومدى استفادتهم من مصادر دعم أخرى، لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها الفعليين، بعيداً عن الازدواجية، وبما يحفظ كرامة المستفيدين ويصون ثقة المتبرعين.
إن التعليم حق وركيزة أساسية في بناء المجتمعات، ودعم الطالب المحتاج هو دعم لأسرة بأكملها، ولجيل ينتظر فرصة كي يثبت قدرته على النجاح والعطاء. وما أجمل أن تكون مساهمة الإنسان سبباً في تخرج طبيب يعالج المرضى، أو مهندس يبني، أو معلم يصنع الوعي، أو باحث يضيف إلى المعرفة.
إنها صدقة جارية وعمل صالح يبقى أثره بعد أن تنتهي المساهمة، وقد حثّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة والبذل وفعل الخير، وجعلنا من هديه وقدوته نستمد قيم التكافل والتراحم.
وفي الختام، كل الشكر والتقدير للدكتور فتحي أبو عرجة، رئيس نادي الفاضلية في عمّان، وللهيئة الإدارية، ولكل من أسهم ويتواصل في دعم هذه المبادرة، وللمتبرعين الذين جعلوا من انتمائهم للمدرسة رسالة وفاء وعطاء. والشكر موصول لكل من يساند الطلبة وأسرهم ويمنحهم الأمل في استكمال تعليم أبنائهم.
فكم من ابتسامة سترسمها هذه المبادرة على وجه أم أو أب أنهكته تكاليف الدراسة، وكم من حلم جامعي سيبقى حياً بفضل مساهمة إنسان آمن بأن خير ما يتركه الإنسان هو أثر طيب في حياة الآخرين.
الفاضلية ليست مجرد مدرسة وذكرى، بل انتماء ورسالة ووفاء، والعلماء والخريجون الذين أنجبتهم مسؤولون عن استمرار رسالتها. فلنجعل من العطاء جسراً يعبر عليه أبناؤنا نحو مستقبل أفضل.



