رونالد لودر وتصدعات الدعم لإسرائيل.. هل يدفع تغوّل اليمين المتطرف نحو عزلة سياسية متزايدة؟

أكتوبر 31, 2026 - 10:07
رونالد لودر وتصدعات الدعم لإسرائيل.. هل يدفع تغوّل اليمين المتطرف نحو عزلة سياسية متزايدة؟

رونالد لودر وتصدعات الدعم لإسرائيل.. هل يدفع تغوّل اليمين المتطرف نحو عزلة سياسية متزايدة؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
لم تعد الانتقادات الموجهة إلى حكومة بنيامين نتنياهو محصورة في المعارضة الإسرائيلية أو في المواقف الدولية الرافضة لسياساتها، بل باتت تتصاعد داخل أوساط وشخصيات يهودية أمريكية كانت تاريخياً من أبرز الداعمين لإسرائيل. وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات الملياردير الأمريكي رونالد ستيفن لودر، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي والسفير الأمريكي السابق لدى النمسا، أهمية سياسية واستراتيجية خاصة، لما تعكسه من اتساع دائرة القلق بشأن مستقبل إسرائيل السياسي وعلاقاتها الدولية.
ففي مقابلة مع صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية نشرت في 23 أكتوبر 2026، وجّه لودر انتقادات حادة إلى بنيامين نتنياهو، الذي كانت تربطه به علاقات وثيقة في مراحل سابقة، معبراً عن خيبة أمله من مسار الحكم والسياسات المتبعة. وحذّر من أن إسرائيل تواجه وضعاً بالغ الصعوبة، وأنها تخسر تدريجياً قطاعات من التأييد في أوروبا والولايات المتحدة، فضلاً عن تراجع ارتباط بعض أوساط يهود الشتات بها.
والأكثر أهمية في تصريحاته تحذيره من تراجع الدعم داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي، واحتمالات فقدان التأييد داخل الحزب الجمهوري أيضاً، في إشارة إلى أن العلاقة التقليدية بين إسرائيل والولايات المتحدة لم تعد بمنأى عن التحولات السياسية والانتخابية داخل المجتمع الأمريكي.
كما انتقد لودر اعتماد نتنياهو على شخصيات اليمين القومي والديني المتشدد، وفي مقدمتها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، معتبراً أن استمرار نفوذ هذه التيارات يهدد مستقبل إسرائيل ومكانتها. ومع ذلك، أكد لودر تمسكه بالصهيونية وحبه لإسرائيل، موضحاً أن انتقاداته تنطلق من القلق على مستقبلها، لا من التخلي عن دعمها.
أزمة تتجاوز الخلافات الحزبية
تكمن أهمية هذه التصريحات في أنها تصدر عن شخصية ذات نفوذ وعلاقات واسعة، كانت جزءاً من شبكة الدعم السياسي والاقتصادي لإسرائيل. ولذلك فإنها تعكس وجود نقاش متزايد داخل بعض النخب اليهودية الأمريكية حول كلفة السياسات الحكومية، ومدى تأثير اليمين المتشدد في مؤسسات الدولة واتجاهاتها.
فالأزمة لا تتعلق فقط بالتنافس على السلطة، بل تمتد إلى استقلال القضاء، والتوازن بين السلطات، واحترام المؤسسات الديمقراطية، وحدود توظيف الاعتبارات الأمنية في إدارة الدولة والمجتمع. كما أن تصاعد الخطاب المتشدد وسياسات الاستيطان والضم يضعف فرص الاستقرار السياسي، ويزيد الفجوة مع قطاعات من الرأي العام الدولي.
ومن المهم هنا التمييز بين انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية وممارسات الاحتلال، وبين معاداة السامية أو التحريض ضد اليهود بسبب هويتهم الدينية أو العرقية. فرفض الاحتلال والاستيطان وانتهاكات القانون الدولي موقف سياسي وقانوني مشروع، ولا يجوز الخلط بينه وبين الكراهية الدينية أو العنصرية.
التداعيات الدولية والمسؤولية القانونية
إن تراجع الثقة الدولية لا يرتبط بالتصريحات وحدها، بل يتصل بتراكم السياسات والوقائع على الأرض، وبخاصة استمرار الاحتلال والاستيطان والحرب على غزة وما خلفته من تداعيات إنسانية وقانونية وسياسية.
وقد أكد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 يوليو 2024 عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وما يترتب على ذلك من التزامات قانونية دولية.
وعليه، فإن التحدي أمام المجتمع الدولي لا يقتصر على تسجيل المواقف والانتقادات، بل يتمثل في ضمان احترام القانون الدولي، ومساءلة الانتهاكات وفق الأطر القانونية المختصة، والعمل على إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
المطلوب فلسطينياً
إن تصريحات لودر لا تعني انهيار الدعم الأمريكي لإسرائيل، ولا تمثل بالضرورة موقف جميع المؤسسات أو الجاليات اليهودية، لكنها مؤشر يستحق القراءة السياسية المتأنية. والمطلوب فلسطينياً هو عدم الاكتفاء برصد التصدعات داخل إسرائيل، بل استثمار التحولات الدولية من خلال رؤية وطنية موحدة، وتفعيل الدبلوماسية والقانون الدولي، وتعزيز وحدة المؤسسات والتمثيل السياسي الفلسطيني.
إن الاختبار الحقيقي لهذه التحولات لن يكون في حدة التصريحات، بل في مدى انعكاسها على السياسات والتحالفات ومواقف القوى الدولية. فمستقبل المنطقة لن يُبنى باستمرار الاحتلال وفرض الوقائع بالقوة، وإنما بإقامة سلام عادل يستند إلى القانون الدولي، ويضمن الحرية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
.