حين سلّم تجار طولكرم مفاتيح محالهم... الاقتصاد الفلسطيني يطلق جرس الإنذار الأخير

إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة

يونيو 30, 2026 - 15:23
حين سلّم تجار طولكرم مفاتيح محالهم... الاقتصاد الفلسطيني يطلق جرس الإنذار الأخير

حين سلّم تجار طولكرم مفاتيح محالهم... الاقتصاد الفلسطيني يطلق جرس الإنذار الأخير
قراءة اقتصادية وقانونية واستراتيجية في أزمة القطاع الخاص الفلسطيني
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
لم يكن المشهد الذي شهده مقر غرفة تجارة وصناعة وزراعة محافظة طولكرم، حين سلّم أحد التجار مفاتيح متجره لرئيس الغرفة التجارية، مجرد احتجاج رمزي على تراجع الحركة التجارية، بل كان إعلانًا مؤلمًا عن وصول الاقتصاد المحلي إلى مرحلة غير مسبوقة من الاختناق، ورسالة سياسية واقتصادية تؤكد أن القطاع الخاص الفلسطيني أصبح يواجه أزمة وجودية تهدد قدرته على الاستمرار.
فالوقفة الاحتجاجية التي نظمتها الغرفة التجارية بدعوة من اتحاد الغرف التجارية الصناعية الزراعية الفلسطينية لم تكن للمطالبة بمكاسب أو امتيازات، وإنما جاءت دفاعًا عن حق التجار في البقاء، وعن حق آلاف الأسر الفلسطينية في مصدر رزقها، بعد أن تحولت الأسواق إلى بيئة تعاني من الركود، وشح السيولة، وتراجع القدرة الشرائية، وتزايد حالات التعثر المالي وإغلاق المنشآت.
وتأتي هذه الأزمة في سياق اقتصادي هو الأخطر منذ عقود. فقد أكد أحدث تقرير للبنك الدولي أن الاقتصاد الفلسطيني ما زال يواجه ضغوطًا غير مسبوقة، وأن آفاق التعافي لا تزال محدودة نتيجة استمرار القيود على الحركة والتجارة، والأزمة المالية، وتراجع النشاط الاقتصادي.
كما تشير تقديرات سلطة النقد الفلسطينية إلى أن اقتصاد الضفة الغربية سجل خلال عام 2025 انكماشًا يقارب 13% مقارنة بما قبل الحرب، في حين تراجعت معظم المؤشرات الاقتصادية، مع استمرار أزمة السيولة وتعثر القطاع الخاص.
أما برنامج الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، فقد وصف ما تشهده الأرض الفلسطينية بأنه أعمق أزمة اقتصادية في تاريخها الحديث، موضحًا أن الضفة الغربية سجلت انكماشًا تاريخيًا، نتيجة القيود على الحركة، وتوسع الاستيطان، وفقدان الوصول إلى مساحات واسعة من الأراضي، إضافة إلى أزمة الإيرادات العامة وحجز أموال المقاصة.
وفي محافظة طولكرم تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ تتداخل آثار الإغلاقات العسكرية المتكررة، والحواجز، واستهداف مخيمي طولكرم ونور شمس، مع الانكماش الاقتصادي العام، الأمر الذي أدى إلى تراجع النشاط التجاري، وانخفاض القدرة الشرائية، وتعطل سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف النقل، وإغلاق عدد متزايد من المنشآت التجارية، وسط مخاوف من اتساع رقعة البطالة والفقر.
إن أزمة السيولة النقدية لم تعد مجرد مشكلة مصرفية، بل أصبحت أزمة اقتصادية واجتماعية شاملة. فالتاجر الذي يعجز عن سحب أمواله أو تحصيل مستحقاته، لا يستطيع دفع رواتب العاملين، أو شراء البضائع، أو الوفاء بالتزاماته، وهو ما يؤدي إلى سلسلة متتابعة من التعثر المالي تمتد آثارها إلى جميع القطاعات الاقتصادية.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن البيئة السياسية التي يعمل فيها الاقتصاد الفلسطيني، حيث تخضع حركة الأفراد والبضائع لمعوقات مستمرة، بينما تتعرض الإيرادات العامة لضغوط متواصلة نتيجة الاقتطاعات من أموال المقاصة، في ظل غياب السيادة الفلسطينية على المعابر والحدود والموارد الطبيعية.
ومن منظور القانون الدولي، فإن ما تتعرض له الأراضي الفلسطينية المحتلة يثير مسؤوليات قانونية واضحة. فالمادة (43) من لوائح لاهاي لعام 1907 تلزم القوة القائمة بالاحتلال بإدارة الإقليم بما يضمن استمرار الحياة العامة، فيما تؤكد اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 ضرورة حماية السكان المدنيين وعدم اتخاذ إجراءات تؤدي إلى تدمير مقومات حياتهم الاقتصادية أو فرض عقوبات جماعية عليهم.
كما أن القيود الواسعة التي تعطل الحركة التجارية وتمنع الوصول إلى الأسواق والعمل والموارد، إذا أدت إلى الإضرار المنهجي بالاقتصاد المدني، تثير تساؤلات جدية حول مدى اتساق هذه الممارسات مع قواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة مبدأ التناسب، وحظر العقوبات الجماعية، وواجب حماية السكان المدنيين.
إن ما جرى في طولكرم ينبغي أن يُقرأ بوصفه مؤشرًا وطنيًا لا حدثًا محليًا. فتسليم مفاتيح متجر اليوم قد يتحول غدًا إلى إغلاق عشرات المنشآت، ثم مئات المنشآت، إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لإنقاذ القطاع الخاص.
وتتطلب المرحلة الحالية إطلاق برنامج وطني متكامل يشمل توفير السيولة، وتخفيف الأعباء الضريبية، وجدولة الالتزامات المالية، وإنشاء صندوق طوارئ لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الحماية الاجتماعية للعمال، إلى جانب تحرك سياسي ودبلوماسي فاعل للضغط من أجل إنهاء القيود المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني.
لقد أثبتت التجارب أن الاقتصاد ليس مجرد أرقام وموازنات، بل هو أحد أهم مقومات الصمود الوطني. وعندما يعجز التاجر عن فتح متجره، ويغلق المصنع أبوابه، وتتراجع الاستثمارات، فإن القضية لم تعد اقتصادية فحسب، بل أصبحت قضية تمس الأمن الاجتماعي والاستقرار الوطني ومستقبل المشروع الفلسطيني برمته.
إن مفاتيح المتاجر التي سُلّمت في طولكرم ليست مفاتيح محال تجارية فقط، وإنما مفاتيح اقتصاد يطلب الإنقاذ، ورسالة تحذير يجب أن تصل إلى صناع القرار الفلسطيني، وإلى المجتمع الدولي، قبل أن تتحول الأزمة الاقتصادية إلى انهيار يصعب احتواؤه.