دقة المرحلة تفرض تشكيل حكومة انتقالية فلسطينية تتبنى استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة الضم والتهجير وإنقاذ المشروع الوطني قبل فوات الأوان
إعداد: المحامي علي أبوحبلة
دقة المرحلة تفرض تشكيل حكومة انتقالية فلسطينية تتبنى استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة الضم والتهجير وإنقاذ المشروع الوطني قبل فوات الأوان
إعداد: المحامي علي أبوحبلة
باحث في القانون الدولي ورئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
لم تعد القضية الفلسطينية تواجه مجرد احتلال عسكري بالمعنى التقليدي، بل أصبحت أمام مشروع استراتيجي متكامل يستهدف إعادة صياغة الجغرافيا والديموغرافيا والهوية السياسية لفلسطين التاريخية. فإسرائيل، مستفيدةً من التحولات الإقليمية والدولية، ومن استمرار الانقسام الفلسطيني، ومن حالة العجز الدولي عن فرض احترام قواعد القانون الدولي، انتقلت من سياسة إدارة الاحتلال إلى استراتيجية فرض السيادة الدائمة على الأرض الفلسطينية، عبر الاستيطان المكثف، والضم التدريجي، والتهجير القسري، والخنق الاقتصادي، وتفكيك وحدة الأرض والشعب والمؤسسات الفلسطينية.
وفي ظل استمرار الحرب المدمرة على قطاع غزة، وتصاعد العدوان في الضفة الغربية والقدس، لم يعد الخطر يتمثل في استمرار الاحتلال فحسب، وإنما في الوصول إلى نقطة اللاعودة التي يصبح معها إنهاء الاحتلال أو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
إن اللحظة الفلسطينية الراهنة ليست أزمة سياسية عابرة، بل مرحلة تأسيسية يعاد خلالها رسم مستقبل القضية الفلسطينية لعقود قادمة، وهو ما يفرض انتقال القيادة الفلسطينية من إدارة الأزمة إلى بناء استراتيجية وطنية شاملة، تتجاوز ردود الفعل إلى صناعة المبادرة السياسية والقانونية والاقتصادية.
أولاً: الاستيطان... أداة لإعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية
تكشف المؤشرات الميدانية أن المشروع الاستيطاني لم يعد مجرد توسع عمراني، وإنما أصبح الأداة المركزية لتنفيذ مشروع الضم الفعلي. فقد تجاوز عدد المستوطنين في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية سبعمائة ألف مستوطن، موزعين على مئات المستوطنات والبؤر الاستيطانية، بينما تتواصل المصادقة على آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، وشرعنة البؤر العشوائية، وربطها بشبكات الطرق والبنية التحتية الإسرائيلية.
ويهدف هذا المشروع إلى تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية، أهمها:
تقطيع أوصال الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة.
السيطرة على الأغوار الفلسطينية باعتبارها العمق الاستراتيجي للدولة الفلسطينية المستقبلية.
عزل القدس عن محيطها الفلسطيني وتغيير تركيبتها السكانية.
فرض حدود سياسية جديدة بقوة الأمر الواقع.
تقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة.
إن هذا الواقع يؤكد أن الاستيطان لم يعد مخالفة قانونية فحسب، بل تحول إلى أداة لإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة.
ثانياً: مصادرة الأراضي والتهجير القسري... سياسة تطهير تدريجي
تعتمد إسرائيل منظومة متكاملة من الأدوات القانونية والعسكرية والإدارية لمصادرة الأراضي الفلسطينية، تشمل إعلان الأراضي "أراضي دولة"، والأوامر العسكرية، وهدم المنازل، ومنع التوسع العمراني، وإقامة المناطق العسكرية المغلقة، والمحميات الطبيعية، وصولاً إلى فرض بيئة طاردة تدفع الفلسطيني إلى الرحيل القسري.
وتتعرض مناطق الأغوار، ومسافر يطا، والقدس الشرقية، وشمال الضفة الغربية، إلى سياسات تهدف إلى تفريغها تدريجياً من سكانها الفلسطينيين، بما يشكل انتهاكاً صارخاً للمادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر النقل القسري للسكان أو نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة.
كما أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعتبر الاستيطان والترحيل القسري من جرائم الحرب والجرائم الواقعة ضمن اختصاص المحكمة، وهو ما يفرض مسؤولية قانونية دولية على الدول الأطراف في النظام الأساسي، وليس مجرد مسؤولية سياسية أو أخلاقية.
ثالثاً: الخنق الاقتصادي... الوجه الآخر للاحتلال
يدرك الاحتلال أن السيطرة العسكرية وحدها لا تكفي، ولذلك اعتمد استراتيجية تقوم على إنهاك الاقتصاد الفلسطيني وتحويله إلى اقتصاد تابع وعاجز عن تحقيق التنمية والاستقلال.
وتتجلى هذه السياسة في:
احتجاز أموال المقاصة واستخدامها أداة للابتزاز السياسي.
فرض القيود على الحركة والتجارة والمعابر.
عزل المحافظات الفلسطينية بالحواجز العسكرية.
تدمير القطاعات الإنتاجية والزراعية.
السيطرة على الموارد الطبيعية والمياه.
تعطيل الاستثمار المحلي والأجنبي.
رفع معدلات البطالة والفقر بصورة غير مسبوقة.
إغلاق آلاف المنشآت التجارية والصناعية، خصوصاً في المحافظات الشمالية التي تتعرض لإغلاقات متكررة.
ولم يعد الاقتصاد الفلسطيني يعاني أزمة مالية فحسب، بل يواجه تهديداً وجودياً يمس قدرته على الصمود، الأمر الذي يجعل بناء اقتصاد مقاوم أحد أهم متطلبات الأمن القومي الفلسطيني.
رابعاً: الانقسام الداخلي... الثغرة الأخطر في الجبهة الفلسطينية
في الوقت الذي تنفذ فيه إسرائيل مشروعها الاستراتيجي بوتيرة متسارعة، ما زال النظام السياسي الفلسطيني يعاني الانقسام المؤسسي والسياسي، وتراجع فعالية المؤسسات الوطنية، وغياب الرؤية الموحدة لإدارة الصراع.
لقد أثبتت التجربة أن استمرار الانقسام لم يعد مجرد خلاف سياسي، بل تحول إلى عنصر استراتيجي تستفيد منه إسرائيل في فرض الوقائع الميدانية دون مواجهة فلسطينية موحدة.
إن أخطر ما يواجه المشروع الوطني الفلسطيني اليوم ليس فقط التوسع الاستيطاني، وإنما غياب المرجعية الوطنية الموحدة القادرة على إنتاج استراتيجية شاملة لإدارة المواجهة.
خامساً: حكومة انتقالية... ضرورة استراتيجية وليست خياراً سياسياً
إن طبيعة المرحلة تفرض تشكيل حكومة انتقالية وطنية توافقية، تنبثق عن توافق شامل بين مختلف القوى الفلسطينية، ضمن إطار النظام السياسي الفلسطيني، بحيث تكون حكومة إنقاذ وطني تتولى إدارة المرحلة الانتقالية، بعيداً عن منطق المحاصصة أو الانقسام.
وتتمثل أولوياتها في:
إنهاء الانقسام واستعادة وحدة المؤسسات.
إعادة توحيد الإدارة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس الشراكة والتمثيل الديمقراطي.
التحضير لانتخابات عامة فور توافر الظروف المناسبة.
وضع استراتيجية وطنية للصمود في المناطق المهددة بالاستيطان والتهجير.
إعداد برنامج اقتصادي للتحرر التدريجي من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي.
تفعيل أدوات المساءلة الدولية أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
توحيد الخطاب السياسي والدبلوماسي الفلسطيني في المحافل الدولية.
سادساً: من إدارة الأزمة إلى إدارة الصراع
لقد أثبتت التجربة أن ردود الفعل لم تعد كافية، وأن المرحلة تتطلب انتقالاً إلى استراتيجية وطنية شاملة تقوم على خمسة محاور مترابطة:
أولاً: محور سياسي يعيد توحيد القرار الوطني ويعزز الاعتراف الدولي بدولة فلسطين.
ثانياً: محور قانوني يفعّل أدوات المساءلة الدولية، ويلاحق جرائم الاستيطان والتهجير والقتل الجماعي أمام القضاء الدولي.
ثالثاً: محور اقتصادي يقوم على بناء اقتصاد مقاوم، ودعم الإنتاج الوطني، وتقليل التبعية للاقتصاد الإسرائيلي.
رابعاً: محور شعبي يعتمد المقاومة الشعبية السلمية، وحماية الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة.
خامساً: محور دبلوماسي يعمل على تحويل التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية إلى إجراءات سياسية وقانونية واقتصادية ملزمة لدولة الاحتلال.
سابعاً: مسؤولية المجتمع الدولي
إن استمرار الاحتلال في تجاهل قرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية يقوض منظومة القانون الدولي بأكملها، وليس الحقوق الفلسطينية وحدها.
فقرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرارات 242 و338 و2334، إضافة إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، تؤكد جميعها عدم شرعية الاحتلال والاستيطان ورفض أي إجراءات تهدف إلى تغيير الوضع القانوني للأرض الفلسطينية المحتلة.
ومن ثم فإن المجتمع الدولي مطالب بالانتقال من مرحلة إصدار البيانات إلى مرحلة تنفيذ الالتزامات القانونية، من خلال فرض إجراءات تضمن احترام قواعد القانون الدولي، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، وحماية المدنيين الفلسطينيين.
توصيات استراتيجية
إن مواجهة هذه المرحلة التاريخية تستوجب اعتماد برنامج وطني عاجل يقوم على:
تشكيل حكومة انتقالية توافقية باعتبارها حكومة إنقاذ وطني.
إنهاء الانقسام واستعادة وحدة النظام السياسي.
إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بما يعزز وحدتها وتمثيلها.
وضع استراتيجية وطنية شاملة للصمود والمقاومة الشعبية السلمية.
إطلاق برنامج اقتصادي للتحرر التدريجي من التبعية الاقتصادية للاحتلال.
إنشاء غرفة عمليات وطنية لتنسيق الجهد السياسي والقانوني والإعلامي.
تعزيز التحرك أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
بناء تحالفات عربية وإقليمية ودولية لحماية الحقوق الفلسطينية.
إعداد خطة وطنية لحماية المناطق المهددة بالاستيطان والضم والتهجير.
تحويل الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطين إلى مسار سياسي وقانوني ملزم ينهي الاحتلال وفق قرارات الشرعية الدولية.
خاتمة
تقف فلسطين اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة؛ فإما أن تتحول التحديات الراهنة إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء المشروع الوطني على أسس الوحدة والشراكة والرؤية الاستراتيجية، وإما أن يستمر الاحتلال في فرض وقائع جديدة تجعل استعادة الحقوق الوطنية أكثر صعوبة وتعقيداً.
إن تشكيل حكومة انتقالية وطنية ليس هدفاً بحد ذاته، وإنما وسيلة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، واستعادة وحدة القرار، وصياغة استراتيجية وطنية متكاملة تجمع بين الصمود الشعبي، والتحرك السياسي والدبلوماسي، والمساءلة القانونية الدولية، وبناء اقتصاد قادر على تعزيز الثبات الوطني.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي تمتلك رؤية استراتيجية موحدة وإرادة سياسية جامعة تستطيع تحويل الأزمات إلى فرص، وأن قوة أي مشروع وطني لا تقاس فقط بعدالة قضيته، بل أيضاً بقدرته على توحيد مؤسساته، وحشد موارده، وإدارة صراعه وفق رؤية بعيدة المدى.
إن دقة المرحلة تفرض الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى استراتيجية وطنية شاملة، لأن التأخر في اتخاذ القرار الوطني الجامع لن يغيّر فقط موازين القوى على الأرض، بل قد يرسم مستقبل القضية الفلسطينية لعقود طويلة قادمة، وهو ما يجعل مسؤولية اللحظة مسؤولية تاريخية تقع على عاتق جميع القوى والقيادات الفلسطينية دون استثناء.



