التعادل الانتخابي يضع إسرائيل أمام مأزق سياسي: هل يعجز نتنياهو وآيزنكوت عن تشكيل الحكومة؟
*التعادل الانتخابي يضع إسرائيل أمام مأزق سياسي: هل يعجز نتنياهو وآيزنكوت عن تشكيل الحكومة؟*
أبو شريف رباح
تقف إسرائيل أمام مأزق سياسي معقّد في ظل عجز بنيامين نتنياهو عن ضمان الأكثرية اللازمة لتشكيل حكومته وعدم تمكن غادي آيزنكوت، من جمع العدد الكافي من المقاعد البرلمانية لتولي رئاسة الحكومة وبين تمسّك نتنياهو بالسلطة وسعي آيزنكوت إلى انتزاعها، يبرز سؤال جوهري، هل يتحول التعادل بين المعسكرين إلى أزمة حكم مفتوحة تعجز معها القوى السياسية عن إنتاج حكومة مستقرة أم تدفعها الحسابات والمصالح إلى تقديم تنازلات تعيد رسم خريطة التحالفات؟ إن خطورة هذا المشهد لا تكمن في تقارب النتائج وحده بل في غياب طريق واضح أمام أي من الطرفين لتأمين الأكثرية البرلمانية المطلوبة، الأمر الذي يضع النظام السياسي الإسرائيلي أمام اختبار صعب ويجعل مستقبل الحكومة رهناً بمفاوضات شاقة قد تنتهي بتسوية مؤقتة أو بانتخابات جديدة.
نتنياهو بين التمسك بالسلطة وعجز تشكيل الحكومة:
يواجه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو معادلة صعبة، فالحصول على أكبر عدد من المقاعد لا يكفي لضمان رئاسة الحكومة ما لم يتمكن من بناء ائتلاف يحظى بثقة أغلبية أعضاء الكنيست، وإذا أخفق في ذلك فقد تستمر حكومته الحالية في تصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة من دون أن يعني ذلك امتلاكه تفويضاً سياسياً مستقراً أو ضمان بقائه في السلطة على المدى الطويل، من هنا قد يسعى نتنياهو إلى استثمار الوقت لإعادة ترتيب تحالفاته وتقديم تنازلات لبعض الأحزاب أو استقطاب نواب من خارج معسكره، لكن نجاح هذه المحاولات يبقى مرتبطاً بمدى استعداد شركائه المحتملين للتخلي عن شروطهم وبقدرة نتنياهو على تجاوز الخلافات التي تعيق تشكيل ائتلاف جديد.
آيزنكوت أمام امتحان الأكثرية:
في المقابل لا يكفي غادي آيزنكوت أن يجمع القوى الرافضة لاستمرار نتنياهو بل يحتاج إلى تحويل هذا التقارب إلى أكثرية برلمانية متماسكة، فالمعارضة الإسرائيلية ليست كتلة متجانسة وتختلف مكوناتها في عدد من الملفات السياسية والأمنية ما يجعل الاتفاق على إسقاط حكومة نتنياهو أسهل من الاتفاق على برنامج حكومي موحد، كما أن رفض بعض أحزاب المعارضة المشاركة في حكومة يرأسها نتنياهو لا يعني بالضرورة استعدادها للانضمام إلى حكومة يقودها آيزنكوت، ولذلك فإن نجاحه سيظل مرهوناً بقدرته على بناء تحالف يتجاوز المصالح الحزبية الضيقة ويضمن الحد الأدنى من التوافق على القضايا التي ستواجه الحكومة المقبلة.
هل يفتح التعادل الباب أمام تسويات غير متوقعة؟
عندما يعجز المعسكران عن حسم المعركة البرلمانية تصبح التنازلات السياسية جزءاً أساسياً من المفاوضات وقد يدفع استمرار الانسداد بعض الأحزاب إلى إعادة النظر في مواقفها سواء عبر تغيير شروط مشاركتها في الحكومة أو القبول بصيغ ائتلافية مختلفة أو البحث في إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة تناوب، غير أن هذه الخيارات تصطدم بالخلافات العميقة بين نتنياهو وخصومه وبانعدام الثقة السياسية فضلاً عن التنافس على المناصب والقرارات الاستراتيجية، ولذلك، فإن أي تسوية محتملة لن تكون سهلة وقد تتطلب تغييرات كبيرة في مواقف الأطراف خصوصاً إذا استمر كل معسكر في رفض تقديم التنازلات الضرورية لتأمين الأكثرية، أما إذا فشلت المفاوضات فقد تجد إسرائيل نفسها أمام انتخابات جديدة من دون ضمان أن تؤدي إلى تغيير حاسم في موازين القوى وهو ما قد يكرّس حالة من عدم الاستقرار السياسي ويطيل أمد الأزمة.
الأزمة الداخلية وانعكاساتها على القضية الفلسطينية:
لا تنحصر أهمية هذا المأزق في الصراع على رئاسة الحكومة بل تمتد إلى السياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، فالتنافس الحزبي لا يعني بالضرورة اختلافاً جوهرياً في المواقف من حقوق الشعب الفلسطيني، إذ قد تتباين الأحزاب في أساليب إدارة هذه الملفات، بينما تلتقي في عدد من التوجهات الأساسية، وعليه فإن تغيير رئيس الحكومة لا يشكل بحد ذاته ضمانة لتغيير السياسة الإسرائيلية، فالعبرة ستكون في البرنامج الذي تتبناه الحكومة المقبلة وموقفها من وقف العدوان وإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان والاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، كما أن انشغال الأحزاب الإسرائيلية بأزمة تشكيل الحكومة لا يعني توقف الإجراءات الميدانية على الأرض، الأمر الذي يؤكد ضرورة عدم التعويل على الخلافات الداخلية الإسرائيلية وحدها بل على تحرك فلسطيني موحد وجهد عربي ودولي فاعل لحماية الحقوق الوطنية ومواجهة محاولات فرض الوقائع بالقوة.
الخلاصة: مأزق يتجاوز أسماء المتنافسين:
إن التعادل بين معسكري نتنياهو وآيزنكوت يضع إسرائيل أمام معضلة سياسية واضحة، لا أحد يستطيع ضمان الحكم من دون تأمين الأكثرية ولا أحد يستطيع حسم الأزمة بمجرد إقصاء منافسه، وبين احتمال تقديم التنازلات أو تشكيل حكومة ائتلافية بصيغة جديدة أو استمرار حكومة تصريف الأعمال، أو الذهاب إلى انتخابات أخرى تبقى الخيارات مفتوحة على مفاوضات قد تعيد رسم التحالفات السياسية.
وفي المحصلة، فإن الأزمة لا تتعلق فقط بمن سيجلس على كرسي رئاسة الحكومة، بل بقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إنتاج حكومة مستقرة في ظل الانقسامات الحزبية وتضارب المصالح، وإذا استمر التعادل من دون تسوية، فقد تتحول المنافسة الانتخابية إلى انسداد سياسي طويل الأمد، تتعثر معه عملية تشكيل الحكومة وتزداد صعوبة إدارة الملفات الداخلية والخارجية، وبينما ينشغل نتنياهو وآيزنكوت بحسابات السلطة والأكثرية، يبقى السؤال الأهم: هل ستقود هذه الأزمة إلى تغيير حقيقي في السياسات الإسرائيلية، أم ستنتهي بتسوية تعيد إنتاج المشهد نفسه بأسماء وتحالفات مختلفة؟



