انتخابات الكنيست الإسرائيلي: الوعي الفلسطيني واختبار المساواة وموازين القوى

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

أكتوبر 28, 2026 - 09:04
انتخابات الكنيست الإسرائيلي: الوعي الفلسطيني واختبار المساواة وموازين القوى

انتخابات الكنيست الإسرائيلي: الوعي الفلسطيني واختبار المساواة وموازين القوى
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
لا يمكن قراءة نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي التي جرت في 27 تشرين الأول 2026 من زاوية التنافس الحزبي على تشكيل الحكومة فحسب، بل بوصفها مؤشراً على تحولات الوعي السياسي لدى الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وقدرتهم على تحويل ثقلهم السكاني إلى حضور برلماني مؤثر. فالتقديرات الأولية التي أشارت إلى حصول القوائم العربية على ما بين 15 و18 مقعداً، بالتزامن مع ارتفاع نسبة المشاركة العامة إلى نحو 77.7%، كشفت عن تطور يستحق القراءة في سياق التحولات التي يشهدها المجتمع الإسرائيلي.
يشكل الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل نحو 20% من السكان، وهم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، يتمسكون بهويتهم الوطنية، ويواجهون في الوقت نفسه تحديات المواطنة والتمثيل والمساواة. وقد أظهرت المشاركة الانتخابية أن قطاعاً واسعاً منهم اختار استخدام الأدوات الديمقراطية المتاحة للتعبير عن مصالحه ومواجهة سياسات التهميش، بدلاً من الاكتفاء بالاحتجاج خارج المؤسسات السياسية.
سياسياً، تضع هذه النتائج معسكر اليمين، الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو وتشارك فيه قوى يمينية متشددة، أمام حسابات ائتلافية أكثر تعقيداً. فالحصول على أغلبية 61 مقعداً من أصل 120 يتطلب تفاهمات تتجاوز حدود الحزب الواحد، فيما يمكن للتمثيل العربي أن يؤثر في مسار المشاورات البرلمانية. غير أن ارتفاع عدد المقاعد العربية لا يعني تلقائياً إسقاط اليمين أو تشكيل حكومة بديلة؛ إذ تبقى النتيجة مرتبطة بالمحصلة الرسمية، ومواقف الأحزاب المختلفة، وطبيعة التحالفات التي ستنشأ.
وتكمن الدلالة الأهم في أن الصوت العربي بات رقماً يصعب تجاهله في الحسابات الانتخابية. كما أن الإقبال المرتفع يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية المشاركة المنظمة في التأثير في التشريعات والميزانيات والسياسات العامة، ولا سيما ما يتعلق بمكافحة الجريمة والعنف، وتطوير البلدات العربية، وأزمات التخطيط والإسكان، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد والخدمات.
قانونياً، ينبغي التمييز بين المساواة في حق التصويت والترشح، والمساواة الفعلية في الحقوق والفرص. فالمواطنون العرب يتمتعون بحقوق انتخابية، لكن ذلك لا ينهي الجدل حول التمييز البنيوي ومكانة الأقلية العربية. وقد أثار قانون أساس: إسرائيل، الدولة القومية للشعب اليهودي، الصادر عام 2018، انتقادات واسعة بسبب قصر حق تقرير المصير القومي في الدولة على الشعب اليهودي، وما يثيره ذلك من تساؤلات حول المساواة القومية ومكانة المواطنين العرب.
وتقتضي مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان ضمان المشاركة في الشؤون العامة، والمساواة أمام القانون، وعدم التمييز. ولذلك، فإن معيار النجاح لا يقتصر على عدد النواب، بل يقاس بقدرتهم على تحويل التمثيل إلى إنجازات تشريعية ورقابية، وتحسين واقع المواطنين، والدفاع عن حقوقهم وكرامتهم، ضمن برنامج واضح وآليات للمساءلة.
أما استراتيجياً، فإن التحدي أمام الأحزاب العربية يتمثل في الحفاظ على التنسيق فيما بينها، رغم اختلافاتها السياسية، والاتفاق على أولويات مشتركة، وربط المشاركة البرلمانية بمطالب قابلة للتحقق. كما أن مسؤولية احترام المساواة لا تقع على النواب العرب وحدهم، بل تشمل جميع القوى السياسية ومؤسسات الدولة.
ولا يجوز الخلط بين المطالبة بالمساواة المدنية للفلسطينيين داخل إسرائيل وبين الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في إنهاء الاحتلال وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة. فهما مساران مترابطان في إطار الحقوق الفلسطينية، لكن لكل منهما سياقه القانوني والسياسي الخاص.
الخلاصة، إن نتائج الانتخابات، وفق المؤشرات الأولية، أبرزت الوزن السياسي للفلسطينيين داخل الخط الأخضر، ووضعت النظام السياسي الإسرائيلي أمام اختبار حقيقي: هل تتحول المشاركة الانتخابية إلى مساواة فعلية وشراكة في صنع القرار، أم تبقى محصورة في التمثيل العددي؟ فالمشاركة ليست غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لحماية الحقوق وتعزيز الحضور السياسي. وستتحدد القيمة الحقيقية لهذه النتائج بمدى انعكاسها على السياسات والممارسة، لا بالشعارات والأرقام وحدها.
المحامي علي أبوحبلة
باحث في القانون الدولي ومحلل سياسي