انتخابات الكنيست الإسرائيلي: مأزق تشكيل الحكومة وتحولات المجتمع وتداعيات المشهد على الفلسطينيين
اعداد وتقرير المحامي علي أبو حبلة
انتخابات الكنيست الإسرائيلي: مأزق تشكيل الحكومة وتحولات المجتمع وتداعيات المشهد على الفلسطينيين
اعداد وتقرير المحامي علي أبو حبلة
تكشف انتخابات الكنيست الإسرائيلي، التي جرت في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، عن مشهد سياسي تتداخل فيه حسابات تشكيل الحكومة مع التحولات داخل المجتمع الإسرائيلي، وتباين الأولويات الأمنية والاقتصادية والقومية، واتساع الفجوة بين المعسكرات المتنافسة. ومع استمرار ترقب النتائج النهائية، تبرز معضلة تأمين أغلبية برلمانية من 61 مقعداً من أصل 120، بما يجعل التحالفات والتفاهمات السياسية عاملاً حاسماً في تحديد هوية الحكومة المقبلة.
ولا تكمن أهمية الانتخابات في ترتيب الأحزاب وحده، بل في دلالاتها على طبيعة التوازنات داخل إسرائيل، وحدود قدرة النظام السياسي على إنتاج حكومة مستقرة، وانعكاس ذلك على السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين والمنطقة.
معادلة الحكم بين نتنياهو والمعارضة
تشير المؤشرات الأولية إلى تقارب بين معسكر بنيامين نتنياهو، بقيادة الليكود، ومعسكر المعارضة الذي يضم قوى تسعى إلى تغيير القيادة السياسية، من بينها حزب «يشار» بقيادة غادي آيزنكوت. لكن التقدم العددي لأي حزب لا يكفي لتشكيل الحكومة ما لم يتمكن من بناء ائتلاف يحظى بثقة الكنيست.
وتتراوح السيناريوهات المطروحة بين إعادة تشكيل حكومة يمينية بقيادة نتنياهو، أو ائتلاف تقوده المعارضة، أو حكومة وحدة وطنية، أو حكومة أقلية تستند إلى دعم برلماني من خارج الائتلاف. وتظل جميع هذه الخيارات رهناً بالنتائج الرسمية وبمدى استعداد الأحزاب لتقديم تنازلات بشأن القضايا الخلافية، وفي مقدمتها التجنيد العسكري لليهود المتدينين، والعلاقة بين السلطات، والسياسات الأمنية والاقتصادية.
كما يبقى احتمال إجراء انتخابات جديدة قائماً إذا استُنفدت الإجراءات القانونية دون التوصل إلى حكومة تحظى بثقة البرلمان، لكنه ليس نتيجة تلقائية للتقارب الانتخابي.
المجتمع الإسرائيلي: انقسامات تتجاوز صناديق الاقتراع
تعكس الانتخابات تنافساً يتجاوز الصراع على رئاسة الحكومة، ليكشف عن خلافات داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن الهوية الدينية والقومية، وحدود نفوذ الأحزاب الدينية، ومستقبل المؤسسات القضائية، وإدارة الملفات الأمنية، وكلفة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
وتواجه الأحزاب الإسرائيلية تحدياً يتمثل في التوفيق بين مطالب قواعدها الانتخابية ومتطلبات تشكيل ائتلاف قابل للاستمرار. فالأحزاب اليمينية والدينية تسعى إلى الحفاظ على أولوياتها الأيديولوجية، في حين تطرح قوى المعارضة قضايا تغيير القيادة وإعادة تنظيم إدارة الدولة. غير أن الاتفاق على إنهاء ولاية نتنياهو، إن تحقق، لا يعني بالضرورة وجود توافق بشأن القضية الفلسطينية أو مستقبل الصراع.
ومن هنا، فإن قراءة النتائج تستوجب التمييز بين التغيير في القيادة السياسية والتغيير الفعلي في السياسات؛ فقد تتبدل تركيبة الحكومة فيما تستمر اتجاهات أساسية في السياسة الإسرائيلية، خصوصاً في ظل اتساع التوافق بين أحزاب مختلفة حول قضايا الأمن والقدرة العسكرية ومفهوم السيطرة على الأراضي الفلسطينية.
الأحزاب العربية وموقعها في المعادلة السياسية
يشكل أداء القوائم العربية مؤشراً مهماً على اتجاهات المشاركة السياسية لدى الفلسطينيين داخل إسرائيل، وعلى مدى قدرتهم على استخدام التمثيل البرلماني للدفاع عن حقوقهم المدنية والاجتماعية. وقد أظهرت التقديرات الأولية تقدماً محتملاً لهذه القوائم، لكن تحديد حجم قوتها الفعلية يبقى مرتبطاً بالنتائج الرسمية.
وتتمثل أهمية هذا التمثيل في قدرته على التأثير في التشريعات والميزانيات، ومواجهة الجريمة والعنف، وتحسين الخدمات والبنية التحتية، والدفاع عن قضايا الأرض والسكن والقرى غير المعترف بها. كما يمكن أن تؤثر المقاعد العربية في حسابات تشكيل الائتلافات، سواء من خلال المشاركة الحكومية أو الدعم البرلماني من خارجها.
لكن تحويل التمثيل العددي إلى نفوذ سياسي مستدام يتطلب وضوح الأولويات وتنسيق المواقف، إلى جانب إدراك حدود الشراكة داخل نظام سياسي لا تزال تحكمه خلافات جوهرية بشأن المساواة والهوية القومية والحقوق الفلسطينية. ولا ينبغي الخلط بين تعزيز المشاركة السياسية للفلسطينيين داخل إسرائيل وبين تسوية القضية الوطنية الفلسطينية، فلكل مسار سياقه وأدواته واستحقاقاته.
البعد الاستراتيجي والتداعيات الإقليمية
من المرجح أن تحظى المفاوضات الإسرائيلية بمتابعة أمريكية نظراً إلى ارتباطها بالتنسيق الأمني والملفات الإقليمية، لكن الحديث عن ضغط أمريكي حاسم لتشكيل حكومة وحدة يبقى رهناً بمواقف معلنة وتطورات موثقة، ولا يجوز التعامل معه باعتباره أمراً محسوماً.
أما فلسطينياً، فإن العامل الحاسم لا يتمثل في اسم رئيس الحكومة الإسرائيلية وحده، بل في سياساته تجاه الاستيطان والضم والقدس وقطاع غزة والضفة الغربية، ومدى التزامه بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. وقد يؤدي استمرار الانسداد السياسي إلى تأخير بعض القرارات، لكنه لا يعني بالضرورة تراجع السياسات القائمة أو توقف الإجراءات الميدانية.
وتفرض هذه التطورات على القيادة الفلسطينية ضرورة تعزيز الوحدة الوطنية، وتطوير التحرك الدبلوماسي والقانوني، وبناء موقف عربي ودولي منسق يحول دون استغلال الانشغال الإسرائيلي الداخلي لفرض وقائع جديدة على الأرض.
خلاصة القول: تعكس انتخابات الكنيست اختباراً للتوازنات داخل المجتمع الإسرائيلي، وقدرة الأحزاب على التوفيق بين تناقضاتها وتشكيل حكومة مستقرة. غير أن دلالاتها الاستراتيجية ستتحدد بما ستنتجه المفاوضات من سياسات فعلية، لا بمجرد تبدل الوجوه أو أسماء الائتلافات. وبالنسبة إلى الفلسطينيين، تبقى الأولوية في حماية الحقوق الوطنية، ومواجهة الاستيطان والتهجير، وتفعيل القانون الدولي، بعيداً عن الرهان على أن التغيير الحكومي الإسرائيلي وحده كفيل بتغيير مسار الصراع.



