الأردن والضفة الغربية والقدس وغزة.. استراتيجية استباقية لحماية الأمن الوطني ومنع تصفية القضية الفلسطينية

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

أغسطس 27, 2026 - 19:25
الأردن والضفة الغربية والقدس وغزة.. استراتيجية استباقية لحماية الأمن الوطني ومنع تصفية القضية الفلسطينية

الأردن والضفة الغربية والقدس وغزة.. استراتيجية استباقية لحماية الأمن الوطني ومنع تصفية القضية الفلسطينية

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

تكتسب الدعوة التي طرحها السياسي والعسكري حسين هزاع المجالي إلى تبني استراتيجية أردنية استباقية لمواجهة مخاطر التطورات في الضفة الغربية أهمية سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود التحذير الأمني؛ فالتحولات المتسارعة في الضفة والقدس وغزه، وما قد يترتب عليها من تهجير قسري أو ضم أو تغيير ديموغرافي وجغرافي، تمس بصورة مباشرة الأمن الوطني الأردني، كما تمس في الوقت ذاته جوهر القضية الفلسطينية ومستقبل التسوية في المنطقة.
والتعامل الأردني مع هذه التطورات يحتاج إلى معادلة دقيقة: حماية الأردن من تداعيات تصفية القضية الفلسطينية، مع حماية الحق الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة، من دون الخلط بين الدور الأردني والمسؤولية الوطنية الفلسطينية.

242 و338.. مرجعية دولية لا يجوز تجاوزها

يستند الإطار القانوني والسياسي لأي تسوية عادلة إلى منظومة قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن 242 الصادر في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1967، الذي أكد عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب ودعا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلت في النزاع، وإلى تسوية سلمية تحقق السلام العادل والدائم.

وجاء القرار 338 لعام 1973 ليعيد تأكيد ضرورة تنفيذ القرار 242، ويدعو إلى بدء مفاوضات بهدف إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط. وقد اعتبرت الأمم المتحدة القرارين 242 و338 من الأدوات الأساسية التي استندت إليها مناقشات التسوية اللاحقة

 للصراع العربي الإسرائيلي.

ومن المنظور الأردني، فإن أهمية هذين القرارين لا تقتصر على قيمتهما التاريخية؛ بل تكمن في تثبيت قاعدة سياسية وقانونية مفادها أن مستقبل الأراضي المحتلة لا يمكن أن يقرر بالقوة أو عبر فرض الأمر الواقع.
وبالتالي، فإن أي محاولة لضم أجزاء من الضفة الغربية أو فرض تغيير ديموغرافي دائم أو دفع الفلسطينيين إلى خارج أرضهم لا ينبغي التعامل معها كوقائع ميدانية منفصلة، وإنما باعتبارها تهديداً مباشراً لمنظومة التسوية والمرجعيات الدولية التي قامت عليها عملية السلام.

فك الارتباط.. تثبيت للهوية الوطنية الفلسطينية

كان قرار الأردن فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية عام 1988 محطة مفصلية في تحديد طبيعة الدور الأردني. فقد أسهم القرار في ترسيخ مرجعية منظمة التحرير الفلسطينية في تمثيل الشعب الفلسطيني، وإنهاء الالتباس الذي كان يمكن أن ينشأ بشأن طبيعة العلاقة القانونية والسياسية بين الأردن والضفة الغربية.

وهنا يجب التمييز بين فك الارتباط القانوني وبين الانفصال السياسي أو القومي. فالأردن لم يتخلَّ عن القضية الفلسطينية، ولم يتخلَّ عن مسؤولياته تجاه القدس والمقدسات، ولم يتخلَّ عن مصالحه الوطنية المرتبطة بصورة مباشرة بمستقبل الضفة الغربية.

المعادلة الصحيحة هي: لا وصاية أردنية على القرار الوطني
 الفلسطيني، ولا قبول أردني بأن تكون المملكة ساحة لمعالجة نتائج الاحتلال أو بديلاً عن الدولة الفلسطينية.

القدس.. خصوصية أردنية في إطار الحق الفلسطيني

تحتل القدس موقعاً مركزياً في المعادلة الأردنية، وتحديداً فيما يتعلق بالمقدسات الإسلامية والمسيحية.
وقد كرست معاهدة السلام الأردنية–الإسرائيلية لعام 1994، المعروفة بمعاهدة وادي عربة، في المادة التاسعة منها احترام إسرائيل للدور الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في المقدسات الإسلامية في القدس، مع النص على إعطاء الدور التاريخي الأردني أولوية في مفاوضات الوضع النهائي.
كما أن إعلان واشنطن الموقع في تموز 1994 سبق المعاهدة وأكد الاعتراف بهذا الدور الأردني في المقدسات الإسلامية.
وهذا الدور التاريخي والديني لا ينبغي تفسيره باعتباره بديلاً عن الحق الوطني الفلسطيني في القدس، بل باعتباره مسؤولية عربية وإسلامية ذات بعد تاريخي وقانوني وسياسي، تتكامل مع الحق الفلسطيني ولا تنتقص منه.

ومن هنا فإن أي تغيير أحادي في الوضع القائم في المسجد الأقصى أو المساس بالوضع التاريخي والقانوني للمقدسات يشكل بالنسبة للأردن مسألة تتجاوز السياسة الخارجية التقليدية، وتمس مكانته ودوره الإقليمي ومصالحه الوطنية العليا.

وادي عربة.. ماذا تقول المعاهدة وماذا لا تقول؟

من الضروري قراءة معاهدة وادي عربة قراءة قانونية دقيقة بعيداً عن التوظيف السياسي.
المعاهدة هي معاهدة سلام ثنائية بين الأردن وإسرائيل، ومسجلة لدى الأمم المتحدة بوصفها اتفاقاً ثنائياً أُبرم في 26 تشرين الأول/أكتوبر 1994.
وهي نظمت العلاقات بين الدولتين في ملفات الحدود والمياه والأمن والعلاقات الدبلوماسية وغيرها، لكنها لا تمنح إسرائيل حق تقرير مستقبل الضفة الغربية، ولا تمنح الأردن تفويضاً للحديث نيابة عن الشعب الفلسطيني بشأن الوضع النهائي للأراضي الفلسطينية.
بل إن المعاهدة نفسها تعاملت مع قضايا مرتبطة بالتسوية الإقليمية ضمن إطار القانون الدولي والمفاوضات المتعلقة بالوضع النهائي. كما أن المادة التاسعة خصت القدس بترتيب واضح يتعلق بالدور الأردني في المقدسات الإسلامية.
وعليه، فإن معاهدة وادي عربة لا يمكن استخدامها لتبرير أي محاولة لتكريس واقع جديد في الضفة الغربية، كما لا يجوز تفسيرها على أنها تفويض بإعادة إنتاج صيغة أردنية–فلسطينية بديلة عن الدولة الفلسطينية.

الخطر الاستراتيجي: نقل الأزمة إلى الأردن
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المملكة ليس فقط اتساع الاستيطان أو تغير الخريطة الجغرافية في الضفة، بل تحول هذه الوقائع إلى مشروع سياسي يقوم على نقل المشكلة الفلسطينية إلى الأردن.
فإذا أدى الضغط العسكري والاقتصادي والاستيطاني إلى دفع الفلسطينيين نحو النزوح، فإن النتائج لن تكون إنسانية فقط؛ بل ستخلق تداعيات أمنية واقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة على الأردن.

وهنا يصبح رفض التهجير ليس موقفاً تضامنياً فحسب، وإنما سياسة دفاع عن الأمن الوطني الأردني.
لكن هذه السياسة ينبغي أن تقوم على دعم بقاء الفلسطينيين في أرضهم وتعزيز صمودهم، لا على التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم خطراً أمنياً أو كتلة سكانية يمكن إعادة توزيعها.

المطلوب: استراتيجية أردنية استباقية

إن المرحلة الحالية تستوجب الانتقال من سياسة التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى سياسة استباقية تقوم على خمسة مسارات مترابطة:

أولاً: مسار سياسي ودبلوماسي يقوم على تنسيق أردني–فلسطيني–عربي مستمر، وتشكيل جبهة دبلوماسية دولية ترفض الضم والتهجير وتغيير الوضع القانوني والديموغرافي للأراضي الفلسطينية.

ثانياً: مسار قانوني عبر توظيف قرارات مجلس الأمن والقانون الدولي والقواعد الناظمة للاحتلال، وتحويل المخالفات الإسرائيلية من وقائع سياسية إلى ملفات قانونية موثقة أمام المؤسسات الدولية المختصة.

ثالثاً: مسار خاص بالقدس والمقدسات يحافظ الأردن من خلاله على دوره التاريخي في الرعاية والحماية، بالتنسيق مع الجانب الفلسطيني والدول العربية والإسلامية، ويواجه أي تغيير أحادي في الوضع القائم.

رابعاً: مسار أمني ووطني يقوم على تقييم السيناريوهات المحتملة للتهجير أو الفوضى أو انهيار الاستقرار في الضفة، ووضع خطط وطنية مسبقة للتعامل مع تداعياتها، من دون الانجرار إلى عسكرة الخطاب السياسي.

خامساً: مسار إعلامي ومجتمعي يمنع تحويل ملف الضفة الغربية إلى مادة للاستقطاب الداخلي الأردني، ويؤكد أن وحدة المجتمع الأردني واستقراره تمثلان خط الدفاع الأول عن الأمن الوطني.

الأردن لا يملك الضفة.. لكنه يملك الكثير لحماية مصالحه
المعادلة الأكثر دقة أن الأردن ليس صاحب الولاية على مستقبل الضفة الغربية، كما أنه ليس طرفاً فلسطينياً بديلاً عن منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية؛ لكنه في الوقت ذاته ليس دولة بعيدة عن تداعيات ما يجري هناك.
الجغرافيا والتاريخ والديموغرافيا والقدس والأمن والاقتصاد تجعل استقرار الضفة الغربية مصلحة أردنية مباشرة.
ولهذا فإن حماية الأردن تبدأ، من منع تحويل الضفة إلى مصدر تهجير، وحماية الحق الفلسطيني تبدأ من منع تحويل الأردن إلى بديل جغرافي أو سياسي عن فلسطين.
إن ما تحتاجه عمّان اليوم ليس رفع سقف الخطاب، وإنما رفع مستوى الجاهزية السياسية والقانونية والدبلوماسية والأمنية؛ فالدول لا تحمي مصالحها بالرد على الوقائع بعد حدوثها، وإنما بمنع تشكل الوقائع التي تهدد مصالحها.
وفي هذه اللحظة التاريخية، تبدو المعادلة الأردنية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: سلام الأردن لا يعني التخلي عن فلسطين، وفك الارتباط لا يعني فك الارتباط بالقضية، ومعاهدة وادي عربة لا تمنح تفويضاً بتقرير مستقبل الضفة، ودور الأردن في القدس لا ينتقص من الحق الوطني الفلسطيني.
إن الاستراتيجية الأردنية الأكثر قوة وواقعية هي التي تجمع بين صلابة الموقف وهدوء الدبلوماسية، وبين حماية الأمن الوطني واحترام القرار الوطني الفلسطيني، وتضع القدس والضفة الغربية في إطارها القانوني والسياسي الصحيح.
فلا يمكن بناء أمن إقليمي مستدام على التهجير، ولا يمكن صناعة سلام دائم على حساب حقوق شعب، ولا يمكن للأردن أن يقبل بأن تتحول نتائج الاحتلال إلى أعباء تُرحّل إلى أراضيه.

ومن هنا، فإن الاستراتيجية الاستباقية ليست خياراً سياسياً فحسب؛ بل أصبحت ضرورة من ضرورات الأمن الوطني الأردني، وحماية القضية الفلسطينية، وصون القدس، والحفاظ على منظومة الشرعية الدولية التي يمثل القراران 242 و338 أحد أهم أعمدتها.