اتحاد الكتاب الفلسطينيين… وحدة الثقافة وقوة الدبلوماسية الثقافية

أغسطس 27, 2026 - 21:27
أغسطس 27, 2026 - 21:28
اتحاد الكتاب الفلسطينيين… وحدة الثقافة وقوة الدبلوماسية الثقافية

اتحاد الكتاب الفلسطينيين… وحدة الثقافة وقوة الدبلوماسية الثقافية

بقلم: د. منى ابو حمدية 

اكاديمية وباحثة 

مبارك لكتّاب وأدباء فلسطين في الوطن والشتات هذا الإنجاز الوطني والثقافي الذي طال انتظاره؛ توحيد فروع الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين في سوريا ولبنان، بعد أربعة وأربعين عاماً من تعدد المسارات وتباعد الأطر.

ليست هذه الخطوة مجرد استحقاق تنظيمي، ولا حدثاً عابراً في روزنامة العمل الثقافي الفلسطيني؛ بل هي استعادة للإطار الجامع، وإعادة وصل لمسارات ثقافية باعدت بينها السنوات، وتأكيد جديد على أن الثقافة الفلسطينية، مهما اتسعت جغرافياتها، تظل ذات بوصلة واحدة ورسالة واحدة وذاكرة واحدة.

ففي الحالة الفلسطينية، لا يمكن النظر إلى الثقافة باعتبارها شأناً نخبوياً منفصلاً عن المشروع الوطني. فالكتاب والشعر والرواية والفن والتراث واللغة، جميعها كانت ولا تزال أدوات لحماية الذاكرة، وصون الهوية، وتثبيت حضور فلسطين في الوعي العربي والعالمي.

لقد أثبت الفلسطيني، عبر عقود طويلة، أن اقتلاعه من المكان لم يكن اقتلاعاً من التاريخ، وأن اللجوء لم يكن نهاية للانتماء، وأن المسافة عن الوطن لم تستطع أن تفصل الإنسان الفلسطيني عن لغته وذاكرته وحكايته.

ومن هنا تأتي أهمية الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين بوصفه بيتاً ثقافياً جامعاً، يستطيع أن يحول تعدد التجارب الفلسطينية في الوطن والشتات إلى طاقة ثقافية مشتركة، وأن يمنح الأدب الفلسطيني إطاراً مؤسسياً قادراً على الحضور والتأثير.

إن إعادة جمع فروع الاتحاد ليست دعوة إلى تطابق الرؤى، ولا محاولة لإلغاء التعدد الفكري والأدبي؛ فالثقافة الحية لا تقوم على الصوت الواحد.

على العكس، فإن قوة الثقافة الفلسطينية تكمن في تنوع مدارسها وأجيالها وتجاربها ومواقعها الجغرافية.

لكن هناك فرقاً بين التنوع الذي يصنع الثراء، وتعدد المسارات الذي يحرم الطاقات من قوة العمل المشترك.

ولهذا فإن وحدة الاتحاد يمكن أن تشكل قاعدة جديدة تقوم على معادلة أكثر نضجاً:

تعدد في الرؤى، وحدة في البوصلة؛

تنوع في الإبداع، تكامل في الجهد؛

اختلاف في الاجتهاد، اتفاق على فلسطين.

وهذه هي المعادلة التي تحتاجها الثقافة الفلسطينية اليوم.

الأهم من استعادة وحدة الإطار هو ما يمكن أن ينتج عنها من مشروع ثقافي فلسطيني أكثر حضوراً وتأثيراً.

فالعالم اليوم لا يتعرف إلى الشعوب من خلال السياسة وحدها؛ بل من خلال أدبها وفنونها وتراثها وذاكرتها وإنتاجها المعرفي.

ومن هنا تبرز أهمية الدبلوماسية الثقافية الفلسطينية بوصفها أحد المسارات الحيوية التي يمكن أن تحمل فلسطين إلى العالم بلغة أكثر إنسانية وعمقاً واستدامة.

الكاتب الفلسطيني ليس مجرد منتج للنص؛ إنه، في كثير من الأحيان، حامل لذاكرة المكان، وشاهد على التاريخ، وحارس للغة، ووسيط ثقافي يقدم فلسطين للعالم من نافذة الإبداع والمعرفة.

ولذلك فإن الاتحاد، إذا ما أحسن استثمار وحدته الجديدة، يستطيع أن يتحول إلى منصة فاعلة للدبلوماسية الثقافية الفلسطينية: عبر الترجمة، والنشر، والمهرجانات، والمؤتمرات، والتبادل الثقافي، والتواصل مع الاتحادات العربية والدولية، وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة من الكتاب والمبدعين.

وفي هذا الإنجاز، تستحق الأمانة العامة للاتحاد، ممثلة بأمينها العام مراد السوداني، تحية خاصة وتقديراً يليق بحجم الجهد المبذول.

فالوصول إلى صيغة جامعة بعد أربعة وأربعين عاماً من تعدد المسارات ليس مهمة إدارية بسيطة؛ بل يحتاج إلى إرادة، وحوار، ونَفَس طويل، وقدرة على التعامل مع تراكمات السنوات بعقل يتطلع إلى المستقبل لا إلى إعادة إنتاج الماضي.

ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي اضطلعت به الأمانة العامة في إعادة وصل الجسور، وتقريب الرؤى، وتغليب المصلحة الثقافية والوطنية الجامعة.

والقيادة الثقافية الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد الفعاليات التي تنظمها، وإنما بقدرتها على بناء المؤسسات، وجمع الطاقات، وفتح المساحات أمام الاختلاف المنتج، وتحويل التعدد إلى قوة.

وفي هذا السياق، فإن ما تحقق يستحق أن يُسجل بوصفه خطوة في اتجاه ترميم وحدة البيت الثقافي الفلسطيني وتوسيع قدرته على الفعل والتأثير.

كل الشكر والتقدير للأمين العام مراد السوداني، ولكل أعضاء الأمانة العامة، ولكل من أسهم في إنجاح هذه الخطوة، ولكل كاتب وأديب آمن بأن ما يجمع الفلسطينيين أكبر من كل مسافات الاختلاف.

ربما تكون القيمة الأعمق لهذا الإنجاز أنه يعيد تذكيرنا بحقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد:

أن فلسطين أكبر من الجغرافيا، وأوسع من الحدود، وأبقى من المسافات.

فمن بيروت إلى دمشق، ومن المخيمات إلى المدن الفلسطينية، ومن الوطن إلى الشتات، ثمة خيط ثقافي لا ينقطع؛ خيط من اللغة والذاكرة والحكاية والشعر والرواية.

وإذا كانت السياسة قد فرضت على الفلسطينيين خرائط متعددة، فإن الثقافة تستطيع أن تستعيد الخريطة الإنسانية والوطنية الجامعة.

وهنا تحديداً تكمن قوة الاتحاد: أن يكون مساحة يلتقي فيها الفلسطينيون لا بوصفهم أفراداً متفرقين في الجغرافيا، وإنما بوصفهم مبدعين يحملون قضية وذاكرة وهوية.

إنها لحظة تستحق الاحتفاء، ولكنها قبل ذلك تستحق البناء عليها.

فالمطلوب الآن ليس فقط أن نحتفل بوحدة الفروع، وإنما أن نحول هذه الوحدة إلى مشروع ثقافي فلسطيني عابر للجغرافيا، قادر على مخاطبة العالم، وصون الذاكرة، وتمكين الأجيال الجديدة، وتعزيز حضور فلسطين في المشهد الثقافي العربي والدولي.

مبارك لكتاب وأدباء فلسطين في الوطن والشتات.

ومبارك للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين هذه الخطوة التي تعيد ترتيب البيت الثقافي على قاعدة أكثر اتساعاً وتكاملاً.

وشكراً لكل من عمل من أجلها، وفي مقدمتهم الأمين العام مراد السوداني.

فحين تتوحد البوصلة، لا تتوحد المؤسسات فقط؛

بل تتكامل الطاقات، ويقوى الصوت، وتصبح الثقافة جسراً فلسطينياً يصل الوطن بالشتات، والذاكرة بالمستقبل، والكلمة بالفعل.