اللجنة الوطنية لإدارة غزة في بروكسل: بين متطلبات التعافي واستحقاقات الشرعية الدولية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
اللجنة الوطنية لإدارة غزة في بروكسل: بين متطلبات التعافي واستحقاقات الشرعية الدولية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يكن عرض اللجنة الوطنية لإدارة غزة لبرنامج التعافي الشمولي (GRP) أمام اجتماع مجموعة المانحين لفلسطين (PDG) في بروكسل حدثاً فنياً يتعلق بحشد التمويل فحسب، بل شكل محطة سياسية واستراتيجية وقانونية تعكس بداية مرحلة جديدة في التفكير الدولي تجاه مستقبل قطاع غزة بعد الحرب. فالمؤتمر، الذي شارك فيه ممثلو 65 دولة ومؤسسة دولية، حمل في طياته رسائل تتجاوز الإغاثة الإنسانية إلى البحث في آليات الحكم والتعافي وإعادة الإعمار ضمن إطار فلسطيني مؤسسي.
إن تقديم الدكتور علي عبد الحميد شعث، المفوض العام للجنة الوطنية لإدارة غزة، رؤية اللجنة وخطتها للانتقال من الإغاثة الطارئة إلى الإنعاش المبكر وإعادة بناء الخدمات الأساسية، يعكس توجهاً نحو تأسيس إدارة وطنية قادرة على قيادة مرحلة التعافي وفق معايير الشفافية والكفاءة والمساءلة، وهي شروط باتت تشكل مطلباً رئيسياً لدى المجتمع الدولي والدول المانحة.
سياسياً، يؤكد المؤتمر استمرار الرهان الدولي على تمكين المؤسسات الفلسطينية الشرعية من إدارة قطاع غزة، باعتبارها الإطار القادر على توحيد المؤسسات الفلسطينية وإنهاء حالة الانقسام، بعيداً عن أي ترتيبات انتقالية قد تكرس واقعاً سياسياً جديداً منفصلاً عن النظام السياسي الفلسطيني. كما أن مشاركة رئيس الوزراء الدكتور محمد مصطفى في الاجتماع التنسيقي مع مجلس السلام والشركاء الدوليين تعكس وجود إرادة لتوحيد الجهود الفلسطينية في إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن إطلاق مبادرة "فريق غزة" بمشاركة أكثر من اثنتي عشرة دولة مانحة، إلى جانب البنك الدولي والبنك الأوروبي للاستثمار، بهدف حشد ما يقارب مليار دولار، يمثل انتقالاً من مرحلة الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى مرحلة التخطيط للتعافي المستدام. إلا أن نجاح هذه المبادرة لن يقاس بحجم التعهدات المالية، بل بمدى القدرة على تحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، في ظل استمرار التحديات الأمنية والسياسية وقيود الاحتلال على حركة الأفراد والبضائع ومواد البناء.
كما أن نجاح أي برنامج للتعافي يتطلب وجود إدارة فلسطينية موحدة، وخطة وطنية شاملة تحدد الأولويات، وتضمن تكامل جهود المؤسسات الرسمية مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يحقق الاستخدام الأمثل للموارد ويمنع ازدواجية المشاريع أو تضاربها.
أما من المنظور القانوني، فإن إعادة إعمار قطاع غزة ليست منحة سياسية ولا عملاً خيرياً، بل ترتبط ارتباطاً مباشراً بقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تلزم القوة القائمة بالاحتلال بحماية السكان المدنيين وضمان استمرار الحياة العامة في الأراضي المحتلة. كما أن الاحتلال لا يستطيع قانوناً التنصل من مسؤوليته عن الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والمرافق المدنية، أو نقل أعباء إعادة الإعمار كاملة إلى المجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، فإن مساهمة الدول المانحة في إعادة الإعمار يجب أن تُفهم باعتبارها دعماً للشعب الفلسطيني وحقه في الحياة والتنمية، وليس بديلاً عن المسؤولية القانونية المترتبة على الاحتلال. كما ينبغي أن تتم جميع برامج الإعمار ضمن احترام السيادة الفلسطينية ووحدة الأراضي الفلسطينية، وبما ينسجم مع حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وفق قرارات الشرعية الدولية.
كما أن إعادة إعمار غزة لا يمكن أن تحقق أهدافها في ظل غياب أفق سياسي واضح. فالتجارب السابقة أثبتت أن إعادة البناء في ظل استمرار الاحتلال والحصار تؤدي إلى تكرار دورات الدمار والإعمار دون معالجة الأسباب الجذرية للأزمة. ومن هنا، فإن نجاح برنامج التعافي الشمولي يتطلب توافر بيئة سياسية وأمنية مستقرة، ووقفاً دائماً لإطلاق النار، ورفع القيود المفروضة على القطاع، وضمان حرية حركة الأفراد والبضائع، بما يسمح بإعادة تشغيل الاقتصاد واستعادة دورة الحياة الطبيعية.
إن مؤتمر بروكسل يمثل خطوة مهمة نحو حشد الإرادة الدولية لدعم قطاع غزة، لكنه لن يحقق أهدافه ما لم يقترن بإرادة سياسية تترجم التعهدات إلى إجراءات عملية، وتضع حداً للحرب، وتؤسس لمسار سياسي ينهي الاحتلال ويكفل للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة.
وفي المحصلة، فإن نجاح اللجنة الوطنية لإدارة غزة لن يقاس فقط بقدرتها على إدارة أموال المانحين، وإنما بقدرتها على بناء نموذج وطني للحكم الرشيد، يعيد الثقة بالمؤسسات الفلسطينية، ويوحد الجهود الوطنية، ويجعل من إعادة إعمار غزة مدخلاً لاستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، وصولاً إلى تحقيق تطلعاته في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة.



