عدنان بليدي… ستة أعوام على الرحيل وما زال الغياب موجعا

الكاتب: رائد عمر

أكتوبر 27, 2026 - 09:18
عدنان بليدي… ستة أعوام على الرحيل وما زال الغياب موجعا

عدنان بليدي… ستة أعوام على الرحيل وما زال الغياب موجعا

الكاتب: رائد عمر

تمر اليوم الذكرى السادسة لرحيل المناضل الفلسطيني عدنان بليدي ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد اسم في سجل النضال الوطني الفلسطيني بل حكاية انتماء طويل وتجربة غنية في العمل الوطني والإعلامي ووجها من وجوه فلسطين التي آمنت بأن الوطن يستحق أن نفني أعمارنا من أجله.

ولد عدنان بليدي في مدينة طولكرم عام 1951 بعد ثلاثة أعوام فقط من نكبة فلسطين عام 1948 في زمن كانت فيه الحكاية الفلسطينية مثقلة بالوجع واللجوء والحنين إلى وطن سلب من أهله كبر في ظل هذه الذاكرة وحين حلت نكسة عام 1967 كان شبلا يافعا لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره لكنه اختار مبكرا طريق الانتماء والنضال فالتحق بصفوف حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح لتبدأ رحلة طويلة من النضال والعطاء حمل خلالها فلسطين قضية وهوية ومسؤولية.

لم يكن النضال بالنسبة إلى عدنان بليدي مرحلة عابرة في حياته ولا موقعا يسعى إليه بل كان خيارا رافقه سنوات عمره وترك بصمته على مواقفه وعلاقاته ورؤيته للوطن آمن بأن فلسطين أكبر من الأشخاص وأن القضية الوطنية لا تحتمل ضيق الأفق وأن الاختلاف مهما اتسع لا ينبغي أن يتحول إلى جدار يفصل الفلسطيني عن أخيه الفلسطيني.

ومع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية ووصولها إلى مدينة طولكرم انتقل عدنان بليدي إلى ميدان آخر من ميادين العطاء فأسس إذاعة وتلفزيون كل الناس مؤمنا بأن الإعلام ليس مجرد ميكروفون وكاميرا وشاشة بل رسالة ومسؤولية وطنية وأخلاقية ومنبر يجب أن يكون قريبا من الناس يسمع أصواتهم وينقل معاناتهم ويمنحهم المساحة التي يستحقونها للتعبير عن همومهم وقضاياهم.

أراد كل الناس أن يكون الاسم تعبيرا عن الفكرة إعلاما للناس جميعا لا ينحاز إلا للحقيقة ولا يبتعد عن وجع المواطن ولا يغلق أبوابه أمام أصحاب الحكايات البسيطة التي تختصر معاناة شعب بأكمله وكان يؤمن بأن طولكرم بكل ما تحمله من تاريخ ووجع وصمود تستحق إعلاما ينقل صورتها الحقيقية وأن الإعلام الفلسطيني مطالب بأن يكون شاهدا على الحياة كما يعيشها الناس لا كما يريدها الآخرون أن تروى.

لكن أكثر ما نفتقده اليوم في عدنان بليدي ليس حضوره فحسب بل مواقفه نفتقد الرجل الذي كان يدرك أن الوحدة الوطنية ليست شعارا يرفع في المناسبات ولا عبارة تكتب في البيانات بل سلوك يومي وموقف شجاع وقدرة على جمع المختلفين حول ما يجمعهم لا دفعهم إلى مزيد من الانقسام. 

نفتقد تلك الروح التي كانت ترى في الاختلاف مساحة للحوار وفي التعدد مصدر قوة وفي فلسطين البوصلة التي ينبغي ألا تضيع وسط الحسابات الضيقة.

وفي زمن تتزايد فيه الخلافات وتتراجع فيه المساحات المشتركة يصبح استحضار أمثال عدنان بليدي أكثر من مجرد وفاء لذكرى راحل إنه تذكير بحاجة شعبنا إلى رجال يقدمون المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية  وأن جراح شعبنا وآلامه أكبر من أن تحتمل مزيدا من التشرذم.

ستة أعوام مضت على رحيله لكن بعض الرجال لا يغيبون حين توارى أجسادهم الثرى يبقون في المؤسسات التي أسسوها وفي المواقف التي دافعوا عنها وفي ذاكرة الناس الذين عرفوهم وفي الأسئلة التي يتركها غيابهم خلفهم.

رحل عدنان بليدي لكن سيرته تظل جزءا من ذاكرة طولكرم وذاكرة الحركة الوطنية الفلسطينية وتظل تجربته الإعلامية شاهدا على مرحلة آمن فيها رجال بأن الكلمة يمكن أن تكون شكلا من أشكال النضال وأن الدفاع عن الحقيقة لا يقل أهمية عن أي ميدان آخر من ميادين العمل الوطني.

في ذكراه السادسة لا نريد أن نكتفي برثائه أو استعادة محطات من حياته بل نريد أن نستعيد القيم التي آمن بها وأن نسأل أنفسنا ماذا بقي من تلك الروح الوحدوية التي نحتاج إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى وكيف يمكن أن نحفظ إرث رجال ناضلوا من أجل وطن يتسع لجميع أبنائه.

رحم الله عدنان بليدي ابن طولكرم والمناضل الفلسطيني الذي ترك بصمته في النضال والإعلام ستبقى ذكراك حاضرة وسيبقى الحنين إلى مواقفك الوحدوية شاهدا على أن بعض الرجال لا يقاس أثرهم بعدد السنوات التي عاشوها بل بما يتركونه في قلوب الناس وبما يفتقده الوطن حين يرحلون.