*صبرا وشاتيلا .. الجرح الذي لم يندمل حتى اليوم*

أبو شريف رباح

سبتمبر 17, 2026 - 10:51
*صبرا وشاتيلا .. الجرح الذي لم يندمل حتى اليوم*

*صبرا وشاتيلا .. الجرح الذي لم يندمل حتى اليوم*

أبو شريف رباح
17\9\2026

لم يكن السادس عشر من أيلول عام 1982 يوما عابرا في ذاكرة الشعبين الفلسطيني واللبناني ولم تكن الأيام الممتدة من 16 إلى 18 أيلول مجرد فصل من فصول الحرب الأهلية اللبنانية بل كانت واحدة من أكثر الصفحات دموية وإيلاما تركت جرحا عميقا لا يزال مفتوحا في الذاكرة الفلسطينية واللبنانية إلى يومنا هذا.

في الرابع عشر من أيلول 1982 وفي اليوم نفسه الذي اغتيل فيه الرئيس اللبناني بشير الجميل خرقت جيش الإحتلال الإسرائيلي ترتيبات وقف إطلاق النار وتقدمت قواته إلى بيروت الغربية، وبعد يومين دخلت مجموعات مسلحة لبنانية إلى مخيمي صبرا وشاتيلا فيما كانت القوات الإسرائيلية تفرض طوقا عسكريا على المنطقة وتسيطر على مداخل المخيمين ومخارجهما.

وخلال ثلاثة أيام تعرض سكان المخيمين إلى عملية قتل جماعي "مجزرة" طالت الرجال والنساء والأطفال والشيوخ وخلفت الاف الضحايا من الفلسطينيين واللبنانيين، وعندما دخل مراقبو الأمم المتحدة إلى المنطقة في 18 أيلول وجدوا مئات من جثامين المدنيين في المنازل وأزقة المخيمين، وقد أدان مجلس الأمن الدولي المجزرة واصفا ما جرى بأنه قتل إجرامي للمدنيين الفلسطينيين واللبنانيين في بيروت.

ولم تكن مأساة صبرا وشاتيلا مجرد جريمة ارتكبتها مجموعات مسلحة داخل مخيمين للاجئين بل ارتبطت أيضا بالاحتلال الإسرائيلي ووجوده في محيط بالمخيمين وقد وثقت تقارير الأمم المتحدة أن القوات الإسرائيلية وأن المخيمين كانا واقعين تحت المراقبة والحصار العسكري الإسرائيلي أثناء وقوع المجزرة، كما أكدت لجنة التحقيق الإسرائيلية المعروفة باسم "لجنة كاهان" مسؤولية القيادة الإسرائيلية عن عدم منع وقوع المجزرة وهي قضية بقيت حاضرة في النقاش التاريخي والقانوني حول أحداث أيلول 1982.

لقد حاولت السنوات أن تطوي صفحة صبرا وشاتيلا لكن الذاكرة الفلسطينية لم تسمح لها بأن تصبح مجرد رقم في سجل الحروب، فخلف كل اسم من أسماء الضحايا عائلة وخلف كل جثمان قصة وخلف كل طفل مستقبل كان يمكن أن يكون مختلفا، ولهذا بقيت صبرا وشاتيلا شاهدة على مأساة اللاجئين الفلسطينيين الذين حملوا مفاتيح بيوتهم من فلسطين إلى مخيمات اللجوء ثم وجدوا أنفسهم أمام مجزرة جديدة في بلاد اللجوء.

المأساة الفلسطينية لم تبدأ في صبرا وشاتيلا كما أنها لم تنتهي عند حدود المخيمين، فمنذ نكبة عام 1948 عاش الفلسطينيون سلسلة متواصلة من القتل والتهجير والاقتلاع ومصادرة الأرض وتعرض الكثير من قراهم ومدنهم للهدم وللمجازر ولعمليات الطرد الجماعي التي أدت إلى تهجير مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني وتحويلهم إلى لاجئين داخل وطنهم وفي دول الجوار .

ومن دير ياسين إلى قبية وكفر قاسم، ومن مخيمات لبنان إلى مخيم جنين، ومن غزة إلى الضفة الغربية والقدس ظلت الدماء الفلسطينية حاضرة في مسار طويل من الصراع ومع كل جولة جديدة من العنف كان المدنيون يدفعون الثمن الأكبر فيما بقيت قضية اللاجئين والاحتلال والاستيطان والتهجير من دون حل عادل وشامل، واليوم بعد عقود على صبرا وشاتيلا تقف غزة أمام واحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخ القضية الفلسطينية، فمنذ السابع من أكتوبر 2023 تعرض القطاع لعمليات عسكرية واسعة النطاق خلفت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى والدمار الهائل في المنازل والبنية التحتية والمرافق الصحية والتعليمية فضلاً عن النزوح والتجويع.

وهكذا تبدو صبرا وشاتيلا اليوم أكثر من ذكرى، إنها جزء من ذاكرة فلسطينية ممتدة من النكبة إلى الحاضر فالوجع واحد وإن اختلفت الأمكنة والضحية واحدة وإن تغيرت أسماء المخيمات والمدن واللاجئ الذي استشهد في صبرا وشاتيلا هو نفسه الفلسطيني الذي يبحث اليوم عن خيمة آمنة في غزة أو عن منزل لم يصادر في الضفة أو عن حقه في العودة إلى وطنه، وبعد مرور أربعة وأربعين عاما على مجزرة صبرا وشاتيلا فإن العدالة الكاملة لا تزال غائبة وعائلات الضحايا لا تزال تنتظر اعترافا تاريخيا وقانونيا واضحا بمسؤولية جميع من شاركوا في الجريمة أو ساهموا في توفير الظروف التي سمحت بوقوعها وبالتالي تقديمهم لمحكمة جرائم الحرب الدولية لمحاسبتهم .

من هنا نؤكد إن الكتابة عن صبرا وشاتيلا ليس دعوة إلى الانتقام بل تمسك بالعدالة ورفض إفلات المجرمين من العقاب فالجرائم بحق الشعب الفلسطيني تبقى محفورة في ذاكرة أجياله ولن تتحول مع مرور الزمن إلى مجرد أرقام في كتب التاريخ، كما أن المجتمع الدولي مطالب بأن يتعامل مع الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني بمعيار واحد وأن يضع حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات في صلب مسؤولياته بدلا من ترك القتلة يفلتون من العقاب، فصبرا وشاتيلا ليستا مجرد مخيمين في ذاكرة بيروت بل عنوان لجرح فلسطيني ولبناني مشترك وذاكرة لشهداء لا يجوز أن تتحول أسماؤهم إلى أرقام منسية، وبعد كل هذه السنوات يبقى السؤال قائما، متى تصبح العدالة أقوى من السلاح ومتى يصبح القانون قادرا على حماية المدنيين ومحاسبة من ارتكبوا الجرائم بحقهم؟ إن الشعب الفلسطيني لا يريد أن يرث أبناءه ذاكرة الدم وحدها بل يريد أن يرثهم وطنا حرا وحقوقا مصانة وعدالة لا تستثني أحدا.

ولهذا ستبقى صبرا وشاتيلا حاضرتين في الذاكرة الفلسطينية لا من أجل نبش جراح الماضي وإنما من أجل منع تكرارها في الحاضر والمستقبل، فالجريمة قد تنتهي في لحظتها لكن آثارها تبقى في ذاكرة الشعوب والعدالة المتأخرة تظل أفضل من النسيان أما النسيان أمام الجرائم الكبرى فإنه قد يصبح دعوة غير مباشرة إلى تكرارها، صبرا وشاتيلا جرح لم يندمل وذاكرة لن تموت وشهادة على أن حق الضحايا في العدالة لن يمحيه الزمن.