في غزة، لا تنهار العمارات وحدها… بل تنهار معها القيم الإنسانية في العالم
كتب وليد العوض:
في غزة، لا تنهار العمارات وحدها… بل تنهار معها القيم الإنسانية في العالم
كتب وليد العوض:
في غزة، لا ينام النازحون وهم يبحثون عن الأمان، بل يبحثون عن مكانٍ أقل خطرًا من المكان الذي كانوا فيه.
في منتصف ليلة السادس عشر من أيلول/سبتمبر، وهو اليوم الذي يرتبط في الذاكرة الفلسطينية بمجزرة صبرا وشاتيلا، تحولت في منطقة الصناعة غربي مدينة غزة عمارة سكنية من ستة طوابق تُعرف باسم «السعادة» إلى كومة من الركام، بعدما انهارت فوق سكانها النازحين والخيام المجاورة، وكانت قد تعرضت لقصف صاروخي من الاحتلال خلال حرب الإبادة.
منذ منتصف الليل، تعمل فرق الدفاع المدني، بالتعاون مع طواقم البلدية، في محاولة للوصول إلى العالقين تحت الأنقاض. الإمكانات محدودة، والأدوات بدائية، لكن خلف كل قطعة من الركام هناك إنسان ينتظر من ينقذه، وعائلة تنتظر أن تعرف مصير أحبائها.
تم انتشال 20 شهيدًا، نصفهم من الأطفال، فيما لا يزال عشرات المفقودين لا أحد يعرف مصيرهم تحت الأنقاض، ولا يزال مصيرهم مجهولًا.
المشهد هناك لا يحتاج إلى كثير من الوصف؛ صرخات استغاثة، وبكاء، ودموع، ودماء، وأيدٍ تحاول إزالة الحجارة قطعةً قطعة، لعلها تصل إلى طفل أو أم أو أب قبل فوات الأوان.
لكن المأساة لا تتوقف عند هذا المبنى.
هناك مبانٍ أخرى في غزة باتت تشكل خطرًا على حياة من يسكنونها، ومع ذلك يضطر النازحون إلى الاحتماء بها. ليس لأنهم لا يعرفون حجم الخطر، وإنما لأن البدائل أكثر قسوة: خيام بالية لا تحمي من برد أو حر، ومراكز إيواء مكتظة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
هنا تصبح المفارقة مؤلمة إلى حد لا يُحتمل: المبنى الآيل للسقوط قد يكون، بالنسبة لعائلة نازحة، أرحم من الخيمة.
في غزة، لم يعد السؤال فقط: أين يجد الإنسان بيتًا؟
بل أصبح السؤال: أين يمكنه أن ينام دون أن يخشى أن يستيقظ تحت الأنقاض؟
وخلف كل رقم في حصيلة الضحايا قصة إنسان، وخلف كل طفل يُنتشل من الركام عائلة فقدت عالمها كله.
هذه ليست أرقامًا في خبر عابر؛ إنها أرواح وأسماء وذكريات وبيوت، وأطفال كان يفترض أن يكون أكبر همّهم المدرسة واللعب، لا النجاة من تحت الأنقاض.
وعندما تنهار عمارة فوق رؤوس النازحين، لا يسقط الإسمنت وحده. يسقط معه شعور الإنسان بأن هناك عالمًا يرى ألمه، وقيمًا تحمي حياته، وضميرًا لا يسمح بأن تتحول مأساته إلى مجرد رقم جديد في نشرات الأخبار .
قد تُرفع الأنقاض يومًا، وقد تُحصى الأسماء والضحايا، لكن وجع من فقدوا أحباءهم لن يُرفع بسهولة. وسيبقى السؤال الأثقل: كيف وصل الإنسان إلى مرحلة يصبح فيها الاختيار بين خطر السكن في مبنى قد ينهار، وخطر العيش في خيمة لا تحميه، هو كل ما تبقى له؟
وراء كل حجر هنا قلبٌ كان ينبض، ووراء كل اسمٍ حكاية، ووراء كل طفلٍ انتُشل من الركام عالمٌ كاملٌ انكسر.
ليس ما يحتاجه أهل غزة اليوم مكانًا آخر يختبئون فيه من الموت فحسب، بل حياة آمنة تستحق أن تُعاش؛ بيتٌ لا يسقط، وخيمةٌ لا تكون قدرًا، وسماءٌ لا يخافون أن ينظروا إليها.
ولعل أبسط ما يمكن أن نطلبه من العالم هو ألا يسمح للأرقام أن تُنسيه أننا في غزة بشر… لنا أسماء، ووجوه، وأحلام، وأحبّة ينتظرون عودتنا.
في غزة، عندما تنهار العمارات فوق النازحين، يبقى السؤال الأكبر خارج الركام: كم مرة يجب أن ينهار الإنسان أمام أعين العالم، قبل أن يستيقظ الضمير الإنساني وتتحقق العدالة؟ غزة : 16-9-2026



