الانتخابات الفلسطينية.. استحقاق دستوري ومدخل لإعادة بناء النظام السياسي

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

سبتمبر 16, 2026 - 17:30
الانتخابات الفلسطينية.. استحقاق دستوري ومدخل لإعادة بناء النظام السياسي

الانتخابات الفلسطينية.. استحقاق دستوري ومدخل لإعادة بناء النظام السياسي
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
يكتسب الاستحقاق الانتخابي الفلسطيني المقرر في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 أهمية تتجاوز حدود انتخاب مجلس تشريعي جديد، ليطرح سؤالاً أوسع يتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وتجديد الشرعية التمثيلية للمؤسسات، وإعادة ترتيب العلاقة بين السلطات والمؤسسات الوطنية ضمن إطار قانوني ودستوري واضح.
وفي هذا السياق، يأتي لقاء رئيس لجنة الانتخابات المركزية الدكتور رامي الحمد الله مع السيد رامز الأكبروف، نائب المنسق الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط والمنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في الأرض الفلسطينية المحتلة، ليؤكد أن التحضيرات للانتخابات دخلت مرحلة متقدمة، وأن اللجنة ماضية في تنفيذ الجدول الزمني المعتمد.
وقد أعلنت اللجنة رسمياً أن باب الترشح يبدأ في 26 أيلول/سبتمبر ويستمر حتى 7 تشرين الأول/أكتوبر، على أن يجري الاقتراع العام في 28 تشرين الثاني، وفق المدد القانونية المحددة للعملية الانتخابية.
الاستحقاق الانتخابي من منظور دستوري
الانتخابات ليست إجراءً إدارياً فحسب، وإنما هي أحد أهم أدوات ممارسة الشعب لحقه في المشاركة السياسية. فالقانون الأساسي الفلسطيني المعدل يقرر أن نظام الحكم يقوم على الديمقراطية النيابية والتعددية السياسية والحزبية، كما يقر حق الفلسطينيين في التصويت والترشح واختيار ممثليهم بالاقتراع العام.
ومن هذه الزاوية، فإن احترام المواعيد والإجراءات الانتخابية، وتكافؤ الفرص بين القوائم والمرشحين، وحياد الإدارة الانتخابية، وحق الطعن أمام القضاء المختص، ليست مسائل تفصيلية، بل ضمانات جوهرية لسلامة الشرعية الديمقراطية.
وقد حددت لجنة الانتخابات بالفعل الآليات الخاصة بإعلان النتائج والطعن فيها، بما في ذلك إعداد النتائج الأولية خلال 48 ساعة، وفتح باب الطعون أمام محكمة قضايا الانتخابات وفق المدد القانونية.
لجنة الانتخابات أمام مسؤولية وطنية وقانونية
تكتسب تصريحات الدكتور رامي الحمد الله أهمية خاصة في هذه المرحلة، بعدما أكدت لجنة الانتخابات أنها ماضية في تنفيذ الجدول الزمني، وأن استعداداتها الفنية والإدارية واللوجستية تتواصل لضمان انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وباستقلالية وحياد.
وهنا ينبغي الفصل بوضوح بين إدارة الانتخابات وبين إدارة السياسة. فمهمة لجنة الانتخابات هي تطبيق القانون وإدارة العملية الانتخابية، وليس التدخل في المنافسة السياسية أو التأثير في خيارات الناخبين.
وهذا الاستقلال هو أحد أهم شروط اكتساب النتائج ثقة المجتمع الفلسطيني والقوى السياسية والمراقبين الدوليين.
القدس وغزة.. معيار شمولية الانتخابات
يبقى التحدي الأكثر حساسية هو ضمان شمول الانتخابات للقدس وقطاع غزة، بما يحول دون تكريس أي فصل جغرافي أو سياسي بين مكونات الشعب الفلسطيني.
وقد نص المرسوم الرئاسي الصادر في 9 تموز/يوليو 2026 على دعوة الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة للمشاركة في انتخابات تشريعية حرة ومباشرة.
كما بحثت لجنة الانتخابات في لقاءات متعددة التحديات المتعلقة بالقدس وغزة والقيود على الحركة والوصول، الأمر الذي يجعل الدعم الدولي والرقابة الدولية عاملين مساعدين في توفير بيئة انتخابية أكثر شفافية، من دون أن يعني ذلك نقل القرار الانتخابي الفلسطيني إلى أي جهة خارجية.
من تجديد المجلس التشريعي إلى إعادة بناء النظام السياسي
المسألة الأهم التي ينبغي ألا تغيب عن النقاش هي أن الانتخابات التشريعية لا ينبغي أن تكون محطة منفصلة عن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.
فإعادة تفعيل المجلس التشريعي يمكن أن تعيد الاعتبار لمبدأ الفصل بين السلطات والرقابة البرلمانية والمساءلة العامة، وتفتح المجال أمام تطوير التشريعات الناظمة للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ضمن إطار القانون الأساسي.
كما أن الانتخابات يمكن أن تشكل مدخلاً لإعادة تنظيم العلاقة بين مؤسسات السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية وسائر المؤسسات الوطنية، بما يحافظ على وحدة التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني، ويمنع تحويل الانتخابات التشريعية إلى بديل عن الإطار الوطني الجامع.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن التعديلات الانتخابية الأخيرة أبقت على النص المتعلق بالالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، إلى جانب الالتزام بالقانون الأساسي والتشريعات الانتخابية والقرارات ذات الصلة.
الانتخابات لا تنهي الانقسام.. لكنها تضع الخلاف تحت سقف القانون
لا ينبغي تحميل الانتخابات أكثر مما تحتمل. فهي ليست حلاً سحرياً للانقسام السياسي، ولا يمكنها وحدها معالجة كل الأزمات الوطنية، لكنها تستطيع أن توفر آلية سلمية وديمقراطية لإعادة إنتاج الشرعية التمثيلية، وإدارة الاختلاف السياسي من خلال صناديق الاقتراع والمؤسسات المنتخبة.
ومن هنا فإن المطلوب هو توفير أوسع توافق ممكن حول احترام قواعد العملية الانتخابية، وليس بالضرورة التوافق على النتائج مسبقاً.
فالاختلاف السياسي جزء طبيعي من أي نظام ديمقراطي، أما تعطيل حق المواطن في الاختيار أو الطعن في العملية خارج الأطر القانونية فيبقى مسألة مختلفة ينبغي أن تعالج من خلال القانون والمؤسسات.
الدور الدولي.. ضمان البيئة وليس صناعة النتيجة
إن دعوة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى مساندة الانتخابات وتذليل العقبات أمام إجرائها لا تعني منح أي طرف خارجي دوراً في تحديد النتائج أو خيارات الناخبين.
الدور الدولي المطلوب هو توفير الدعم الفني، وتشجيع الرقابة المستقلة، والمساعدة في إزالة العوائق أمام مشاركة الناخبين، ولا سيما في المناطق التي تواجه قيوداً ميدانية وسياسية.
أما صندوق الاقتراع فيجب أن يبقى فلسطينياً، والقرار الانتخابي يجب أن يبقى للناخب الفلسطيني.
وهذا هو جوهر الديمقراطية: أن يختار المواطن ممثليه بحرية، وأن تُحترم النتائج وفق القانون، وأن تكون المؤسسات المنتخبة خاضعة للمساءلة.
إن نجاح الانتخابات الفلسطينية لا يقاس فقط بعدد صناديق الاقتراع التي ستفتح في 28 تشرين الثاني، وإنما بمدى قدرة النظام السياسي على تحويل هذا الاستحقاق إلى بداية لمسار مؤسسي أوسع: مجلس تشريعي فاعل، فصل للسلطات، سيادة للقانون، تعددية سياسية، مساءلة، وتجديد للشرعية التمثيلية ضمن إطار وطني جامع.
وعليه، فإن مسؤولية المرحلة المقبلة لا تقع على لجنة الانتخابات وحدها، بل على القوى السياسية والمرشحين والمجتمع المدني والإعلام والمؤسسات الرسمية، كلٌّ في نطاق اختصاصه، وعلى المجتمع الدولي في توفير بيئة تساعد الفلسطينيين على ممارسة حقهم الانتخابي.
فالديمقراطية الفلسطينية لا تحتاج إلى انتخابات شكلية، وإنما إلى انتخابات تحترم القانون، ونتائج تحترمها المؤسسات، ومؤسسات تحترم إرادة الشعب.
بقلم: المحامي علي أبوحبلة