الأردن ظهير الانتخابات الفلسطينية.. لا وصاية على صندوق الاقتراع
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
الأردن ظهير الانتخابات الفلسطينية.. لا وصاية على صندوق الاقتراع
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد السؤال الفلسطيني اليوم: هل ستُجرى الانتخابات التشريعية؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ستنجح القوى السياسية الفلسطينية في حماية الانتخابات من التدخلات والضغوط، وتحويلها من استحقاق شكلي إلى مدخل حقيقي لتجديد الشرعية؟
في هذا السياق، يكتسب لقاء رئيس لجنة الانتخابات المركزية الدكتور رامي الحمدالله مع سفير المملكة الأردنية الهاشمية لدى دولة فلسطين السيد عصام البدور أهمية تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي. فاللقاء، وما تضمنه من اطلاع الجانب الأردني على استعدادات اللجنة لإجراء الانتخابات التشريعية في موعدها المقرر في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، يحمل رسالة سياسية واضحة: هناك استحقاق انتخابي ينبغي أن يحظى بالدعم والحماية، لا بالتعطيل والمساومات.
والأردن، بما يمثله من ثقل عربي وتاريخي وجغرافي، يستطيع أن يكون ظهيراً سياسياً للانتخابات الفلسطينية، لا طرفاً في نتائجها ولا وصياً على خيارات الناخب الفلسطيني. وهذه نقطة جوهرية؛ فالدعم الأردني الحقيقي لا يكون بفرض الأسماء أو القوائم، وإنما بتوفير المناخ العربي الذي يحمي حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم بحرية.
لقد أثبت الأردن عبر مواقفه التاريخية أن القضية الفلسطينية ليست ورقة للمزايدة، وإنما قضية أمن واستقرار وحقوق وكرامة عربية. ولذلك فإن دعمه للمسار الانتخابي الفلسطيني يمكن أن يشكل عاملاً مهماً في تثبيت الاستحقاق الديمقراطي، خصوصاً في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، وفي ظل محاولات مستمرة لإبقاء المشهد الفلسطيني أسير الانقسام والتجاذبات.
لكن الدعم السياسي الخارجي، مهما كان صادقاً، لا يكفي. المعركة الحقيقية تبدأ من داخل البيت الفلسطيني.
وهنا تحديداً تتقدم لجنة الانتخابات المركزية إلى الواجهة. فهذه المؤسسة ليست مجرد جهاز إداري لتنظيم الاقتراع، وإنما تمثل إحدى أهم حلقات حماية الشرعية الديمقراطية. وكلما التزمت اللجنة بالحياد والاستقلال والمهنية وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز، ازدادت قدرة الانتخابات على إنتاج شرعية تحظى بثقة المواطن والمجتمع الدولي معاً.
ولهذا فإن الإعلان عن استمرار اللجنة في العمل وفق الجدول الزمني المعتمد وبكل مسؤولية ومهنية يجب ألا يُقرأ باعتباره خبراً إدارياً عابراً. إنه إعلان بأن العملية الانتخابية ينبغي أن تُدار بالقانون لا بالأهواء، وبالإجراءات لا بالتفاهمات السرية، وبصوت الناخب لا بمنطق النفوذ.
وهنا تكمن حساسية المرحلة.
فالانتخابات التي تُدار وفق قواعد واضحة وشفافة تستطيع أن تجدد المؤسسات. أما الانتخابات التي تُحاصرها التدخلات أو تُفرغها الصفقات السياسية من مضمونها، فإنها قد تتحول إلى مجرد إعادة تدوير للأزمة.
ومن حق الأردن أن يدعم الانتخابات، ومن واجب الفلسطينيين أن يحموها. ومن حق المواطن أن يعرف أن صوته لن يكون مجرد رقم في سجل انتخابي، بل إرادة سياسية لها وزنها واحترامها.
والدور الأردني لا يتوقف عند السياسة. فالإشادة بالمستشفى الميداني الأردني في نابلس، وما يقدمه من خدمات طبية، تعكس وجهاً آخر للعلاقة بين الشعبين؛ علاقة تتحول فيها المواقف إلى فعل إنساني ملموس، ويصبح التضامن العربي خدمة تقدم للمواطن الفلسطيني في حياته اليومية.
لكن الرسالة الأهم تبقى فلسطينية: لا ديمقراطية حقيقية من دون انتخابات نزيهة، ولا انتخابات نزيهة من دون لجنة مستقلة، ولا شرعية مستدامة من دون احترام إرادة الناخب.
أما الأردن، فدوره أن يبقى ظهيراً لا وصياً، شريكاً داعماً لا طرفاً مقرراً، وسنداً للاستقرار الفلسطيني لا لاعباً في تفاصيله.
إن حماية الانتخابات الفلسطينية ليست مهمة لجنة الانتخابات وحدها، ولا مسؤولية الفصائل وحدها، ولا امتيازاً للدبلوماسية العربية. إنها مسؤولية وطنية جماعية.
وفي النهاية، قد تتغير الحكومات والائتلافات والبرامج، لكن صندوق الاقتراع يجب أن يبقى أقوى من كل النفوذ، وأعلى من كل التسويات، وأصدق تعبير عن إرادة الشعب الفلسطيني.
.



