حين تصبح الوطنية سلّمًا للمناصب… يصبح قول الحق جريمة في عيون المتسلقين
حين تصبح الوطنية سلّمًا للمناصب… يصبح قول الحق جريمة في عيون المتسلقين
في زمن اختلطت فيه أحيانًا معايير الخدمة العامة بمعايير الوجاهة، وأصبح بعضهم يقيس حجم الوطنية بعدد الصور مع المسؤولين أو كثرة الزيارات والمجاملات، تظل هناك قاعدة أخلاقية لا ينبغي أن تسقط من حسابات العمل العام: الوطن أكبر من المنصب، والكرامة أكبر من المكسب، والقانون فوق الأشخاص جميعًا.
لم نقبل المناصب، وتعففنا عنها، لا لأننا نرفض المسؤولية أو نهرب منها، وإنما لأن لدينا قناعة راسخة بأن خدمة الوطن لا تحتاج بالضرورة إلى كرسي، وأن الانتماء الحقيقي لا يحتاج إلى ختم رسمي أو موقع إداري حتى يصبح صادقًا.
لسنا ممن يتسلقون حبال الوطنية للوصول إلى غاية شخصية، ولا ممن يجعلون من التقرب إلى أصحاب القرار وسيلة لبناء النفوذ أو صناعة الوجاهة. فالكلمة الصادقة، في نظرنا، أثمن من موقع مؤقت، والموقف المبدئي أبقى من أي امتياز يمكن أن تمنحه سلطة أو وظيفة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب العمل العام ليس الاختلاف في الرأي، بل أن تتحول الوطنية إلى سلعة، والعلاقات العامة إلى وسيلة نفوذ، والعمل التطوعي إلى بوابة للمصالح. عندها يفقد العمل العام جوهره، ويصبح معيار القرب أهم من معيار الكفاءة، ومعيار التصفيق أهم من معيار الإنجاز.
ومن هنا، فإن توثيق تاريخ طولكرم وذاكرتها ورجالاتها وأحيائها ومعالمها لم يكن بالنسبة لنا مشروعًا للبحث عن تكريم أو منفعة أو كلمة شكر من أحد. إنه واجب تجاه مدينة تستحق أن تحفظ ذاكرتها، وتجاه أجيال قادمة من حقها أن تعرف تاريخ مدينتها كما كان، لا كما قد يرغب البعض في أن يكون.
نحن نؤمن بأن اليد العليا خير من اليد السفلى؛ ولذلك لم نمد أيدينا طلبًا لمنصب، ولم نقف على أبواب مسؤول بحثًا عن امتياز، ولم نجعل من علاقتنا بالمسؤولين معيارًا لقيمتنا أو وزننا في المجتمع.
وفي المقابل، فإن احترام المسؤول لا يعني الصمت أمام الخطأ، والاختلاف مع قرار أو موقف لا يعني الخصومة مع صاحبه. الدولة والمؤسسات لا تُبنى بالمجاملة، وإنما باحترام القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء.
ولهذا لم ولن نقبل بالضيم، لكن رفض الضيم عندنا لا يعني الفوضى، ولا التشهير، ولا إطلاق الاتهامات جزافًا؛ بل يعني الاحتكام إلى القانون، واللجوء إلى المؤسسات المختصة، وطرح الوقائع بموضوعية، والدفاع عن الحقوق بالوسائل المشروعة.
وسنبقى نرفض أي اعتداء على الحقوق أو الحريات أو الحرمات التي يحميها القانون، أياً كان مصدره، لأن القاعدة التي نتمسك بها بسيطة وواضحة: لا أحد فوق القانون، ولا أحد يملك احتكار الوطنية، ولا يجوز أن تتحول السلطة أو النفوذ إلى حصانة أخلاقية أو اجتماعية من النقد والمساءلة المشروعة.
قد تختلف الوجوه، وتتبدل المواقع، وتنتهي المناصب، لكن يبقى الوطن. وقد يعلو صوت المجاملة فترة، لكن الحقيقة لا تموت، والتاريخ لا يحتفظ طويلًا بمن صفقوا، بل بمن تركوا أثرًا نافعًا.
ولذلك نقولها بلا مواربة: لسنا بحاجة إلى منصب كي نثبت انتماءنا، ولا إلى قرب من مسؤول كي نثبت حضورنا، ولا إلى مكافأة كي نواصل ما نؤمن به.
فمن أراد خدمة طولكرم فليخدمها، ومن أراد حماية ذاكرتها فليوثقها، ومن أراد الدفاع عن حقوق أهلها فليحتكم إلى القانون.
أما الوطنية التي تُستخدم سلّمًا للصعود، ثم تُنسى عند أول امتحان للمصلحة، فليست وطنية؛ إنها مجرد واجهة مؤقتة تسقط عندما ينتهي الهدف الذي صنعت من أجله.
الوطن أكبر من المناصب، وطولكرم أكبر من الأشخاص، والقانون أكبر من الجميع.
المحامي علي أبو حبلة



