خطة حصر سلاح حماس: صراع على مستقبل غزة والنظام السياسي الفلسطيني الجديد
اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي
اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي
لا تبدو مسودة خطة حصر سلاح حماس في غزة التي تفاجأت إسرائيل بإعلان حماس موافقتها عليها في نهاية شهر تموز/يوليو الماضي، مجرد ترتيبات أمنية تهدف إلى حصر سلاح الفلسطينيين وإنهاء الحرب في غزة، بل تعكس صراعاً أوسع حول شكل النظام السياسي الفلسطيني ومستقبل التوازنات الإقليمية بعد الحرب.
وكان المحلل الأمني الإسرائيلي (عاميت ياغور) قد قدمها كمؤامرة أعدها لاعبون إقليميون مثل (قطر، وتركيا، ومصر، والسعودية) يعاد فيها بناء النظام الإقليمي بحيث لا تكون إسرائيل محوره، وذلك في مقال نشر في صحيفة معاريف يوم الثلاثاء الموافق 4/8/2026، وحمل عنوان (من يمسك بالخيوط: الجانب المظلم من الاتفاق مع حماس).
فهل يدور التفاوض فعلاً حول حصر أو نزع السلاح، أم أن السلاح ليس سوى بوابة لإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني والإقليمي الذي سيولد بعد الحرب في المنطقة؟
تكمن أهمية هذا السؤال في أنه ينقل النقاش من المستوى الأمني الى المستوى الإستراتيجي، الأمر الذي لم يتجلى في ورقة ياغور فحسب بل تجلى كذلك في ورقة أودي ديكل الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي بتاريخ 3/8/2026، وفي الأوراق الصادرة عن المعهد الملكي للدراسات الدولية تشاتام هاوس بناريخ 3/8/2026، وعن مركز المستقبل الجيوسياسي بتاريخ 5/8/2026، وعن المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية بتاريخ 31/7/2026.
فإذا كانت إسرائيل تنظر الى تجريد غزة من السلاح باعتباره نهاية الحرب وتحقيقا لأهدافها المعلنة، فإن عدداً من قوى المنطقة يبدو انه ينظر الى الملف باعتباره بداية لترتيب سياسي جديد لا يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية، وليس مجرد تسوية أمنية تتعلق بسلاح حماس في غزة.
في الواقع إن قبول حماس من حيث المبدأ مناقشة مسألة نزع السلاح لا يعني بالضرورة تخليها عن مشروعها، بل يمكن فهمه باعتباره محاولة لإعادة تعريف موقعها في المرحلة المقبلة. فالحركة تدرك أن استمرار الحرب يهدد بنيتها التنظيمية والاجتماعية، ولذلك قد ترى في الانتقال من قوة عسكرية مهيمنة إلى فاعل سياسي ضمن ترتيبات جديدة وسيلة للحفاظ على دورها ونفوذها.
رغم أن إسرائيل هي الطرف المباشر في أي اتفاق يتعلق بغزة، فإن حماس تدرك أن الولايات المتحدة هي اللاعب الأكثر قدرة على التأثير في القرار الإسرائيلي. لذلك فإن اعتمادها على الوسطاء خصوصاً مصر وقطر، لا يهدف فقط إلى نقل الرسائل، بل إلى التأثير في الموقف الأمريكي.
بهذا المعنى، تحاول حماس نقل مركز التفاوض من سؤال: “ماذا تقبل إسرائيل؟” إلى سؤال: “هل تستطيع واشنطن إنتاج تسوية مقبولة إقليمياً؟”. فإظهار استعدادها لمناقشة نزع السلاح يضع إسرائيل أمام اختبار سياسي، خصوصاً إذا ظهرت الحركة كطرف مستعد للتفاوض بينما تبدو إسرائيل رافضة لأي صيغة لا تحقق شروطها الأمنية بالكامل.
أما إسرائيل فتنظر إلى القضية من زاوية مختلفة. فبالنسبة لها، لا يكفي نزع جزء من السلاح أو وقف القتال مؤقتاً، بل يجب تفكيك حماس وإنهاء قدرتها على إعادة بناء قوتها العسكرية والسياسية.
ولهذا تركز إسرائيل على أربعة أهداف رئيسية:
* تفكيك القدرات العسكرية لحماس.
* منع إعادة التسلح مستقبلاً.
* إنهاء حكم الحركة في غزة.
* الحفاظ على حرية العمل الأمني الإسرائيلي.
وتستند هذه الرؤية إلى تجربة ما بعد الانسحاب من غزة عام 2005، حيث ترى إسرائيل أن غياب ترتيبات أمنية صارمة سمح لحماس ببناء قوة عسكرية كبيرة خلال سنوات لاحقة.
تكشف مواقف مصر وقطر وتركيا والسعودية عن اختلاف مهم مع التصور الإسرائيلي. فهذه الدول تتفق على ضرورة إنهاء الحرب، وإعادة إعمار غزة، ومنع الفوضى، لكنها لا تبدو مقتنعة بأن القضاء الكامل على حماس هو الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار.
هذا لا يعني أنها تريد استمرار حماس بصورتها السابقة، بل إن الاتجاه الأقرب هو محاولة احتواء الحركة وإعادة تعريف دورها ضمن نظام فلسطيني جديد، بحيث تنتهي هيمنتها العسكرية، مع إمكانية بقائها كجزء من المشهد السياسي إذا قبلت بشروط التسوية.
ومن هنا يظهر الخلاف الأساسي: إسرائيل ترى أن الاستقرار يبدأ بإزالة حماس من المعادلة، بينما ترى هذه الدول أن الاستقرار قد يتطلب إدارة الواقع الفلسطيني القائم وتحويل حماس من قوة عسكرية إلى فاعل سياسي مقيد.
أحد أهم التحولات التي فرضتها الحرب هو أن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني قد تبدأ من غزة وليس من مكان آخر.
فالتصور السائد يقوم على بناء (تجديد) مؤسسات السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ثم معالجة ملف غزة. أما اليوم فقد أصبحت غزة مركز التحول بسبب الفراغ السياسي والأمني الذي خلفته الحرب، والحاجة إلى إعادة الإعمار وإنشاء ترتيبات جديدة للحكم والأمن.
وقد تكون النتيجة ليست استبدال حماس بفتح، ولا إعادة إنتاج النظام السابق، بل محاولة بناء صيغة فلسطينية جديدة تشمل:
* إصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية.
* مشاركة شخصيات مستقلة وتكنوقراط.
* توحيد الضفة وغزة.
* وربما دمج قوى فلسطينية مختلفة ضمن إطار سياسي جديد.
بهذا المعنى، فإن معركة غزة قد تتحول من صراع على السيطرة على القطاع إلى محاولة لإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني بأكمله.
في هذا السياق يظهر الدور الإماراتي ومحمد دحلان ضمن النقاش حول مستقبل غزة. فالإمارات تقترب من مصر والسعودية في رفض بقاء حماس قوة عسكرية مستقلة، لكنها تشارك بقية الدول العربية في هدف منع الفوضى وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية.
أما دحلان، فيُطرح اسمه في بعض السيناريوهات الانتقالية باعتباره شخصية يمكن أن تلعب دوراً في مرحلة ما بعد الحرب، رغم أن حجم قدرته الفعلية على الحصول على قبول فلسطيني واسع يبقى موضع نقاش.
تلقي إيران مع الدول الأربع في عدد من الأهداف، كهدف وقف الحرب على غزة، والإنسحاب الإسرائيلي من غزة، كما تتفق معها في اسقاط الرؤية الإسرائيلية الأمريكية للنظام الإقليمي التي تقوم على نظام اقليمي محوره إسرائيل.
أما حول حصر سلاح المقاومة في غزة فترى إيران أنه قرار يخص حماس وقوى المقاومة في غزة فقط، لا سيما وأنها تدرك أن هذه قوى المقاومة في غزة لن تغير هويتها وبوصلتها، الأمر الذي يجعل إيران أقرب الى اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي جرى توقيعه يوم الجمعة الموافق 7/8/2026 في مكة بين كل من باكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية.
الخلاصة:
إن خطة نزع سلاح حماس ليست مجرد اتفاق أمني لإنهاء الحرب، بل هي تفاوض على شكل النظام الفلسطيني والإقليمي بعد الحرب.
إسرائيل من جهتها تسعى إلى نظام يقوم على إنهاء حماس كقوة عسكرية وسياسية. أما عدد من الدول العربية فيبدو أنه يبحث عن صيغة مختلفة تقوم على إعادة بناء غزة، واحتواء حماس ضمن ترتيبات جديدة، وإطلاق عملية إعادة تشكيل للنظام الفلسطيني.
لذلك فإن السؤال المركزي ليس فقط: هل ستنزع حماس سلاحها؟ بل: هل ستصبح غزة نقطة البداية لنظام سياسي فلسطيني جديد، أم ستبقى ساحة صراع حول من يملك حق رسم مستقبل الفلسطينيين؟
فالمرحلة المقبلة قد لا تحدد فقط مصير غزة، بل قد تعيد تعريف القضية الفلسطينية نفسها.



