لا هم انتصروا ولا نحن هُزمنا

أغسطس 10, 2026 - 11:27
لا هم انتصروا ولا نحن هُزمنا

ثمة مسافةٌ في المنتصف تقف لرسم صورة الواقع على حقيقته، خاصة عندما يتعلق الأمر بشعبٍ تحت الاحتلال بلغت معاناته ذروة الألم، وامتدت فصول عذاباته سنوات وعقود طويلة من الزمن، وقوة احتلال تُكرّس بطشها وإرهابها لتحقيق صور النصر الخارق الذي يبحث عنه الجنود والجنرالات، المصابون بهوس الحرب والقتل واتساع رقعة الموت من مدينة إلى مدينة ومن قرية إلى مخيم، علهم يلتقطون لحظة انتصار هش فوق الأشلاء.
وثمة حيز آخر تقف عنده الضحية، فلا تموت ولا تفنى لأن في حياة الشعوب قوة هائلة بين الموت والحياة، وقدرة على تجاوز لحظة الفناء بالغناء، وهذا ما يجعل الهزيمة بعيدة بمعناها المراد لها دائمًا، كنقيض للنصر في صوره المعاكسة للفشل والخسارة والانكسار.
قد تُرهق الضحية، لكنها لا تستسلم، وقد يتعب الجنرال من قوته العسكرية، لكنه لا يعلن انتصاره، وأمام هذا تراوح كل الأدوات في دورة مفرغة، وتصير عبئًا عندما لا تعلن الضحية هزيمتها، فيسقط كل العتاد العسكري أمام العناد الإنساني، في صبر ملهم فاقت قدرته تجاوز كل الفرضيات وكل التوقعات.
إن معادلة النصر والهزيمة في المسألة الفلسطينية مغايرة تمامًا عن كل تعريف وفهم مجتزأ، في السياق العابر المحدود، وهي كذلك منافية لكل اشتراطات الظرف الراهن، بكل ما يجابه من عثرات وتحديات، وليس الاختلاف إلا تشابهًا مع كل الشعوب عبر التاريخ التي وقعت تحت الاحتلال، فنجت من موتٍ يُراد لها، وقامت قيامتها بالخلاص والحرية، وهذا ما يعين الضحية على الصبر، في تماسك اجتماعي وترابط بكل أبعاده الإنسانية وسماته وقسماته الحياتية.
لهذا قد لا يفهم الآخرون كيف لهذه الضحية أن لا تهزمها قسوة الحرب، تمامًا كما هي الحال عندما يفكرون في أمر تأجيل الجنرالات إعلان انتصارهم. هي معادلةٌ أُخرى في الصراع الدائر بين الحق والباطل، وهي معادلةٌ تقوم على قوة الحق لا على حق القوة، وفي مرادفات اللغة ما بينها من معانٍ تنتصر بذاتها للحقيقة، وتلفظ كل باطل توحش، مهما ابتدع من جرائم، وعلى مرِّ التاريخ، لم يُهزم شعبٌ محتلّ، ولم ينتصر الغزاة.
وأمام ما يحدث من استمرار للحرب بكل فصولها، وامتداداتها بين غزة والضفة وما يحدث في القدس من تهويد وتغييب وعزلة كاملة مفروضة على المقدسيين، وما يعيشونه من عقاب جماعي يهدف إلى تفريغ المدينة من ناسها وسكانها، فهوس التهجير الذي يسكن عقيدة الاحتلال واحد، بين غزة والضفة والقدس، والهدف إفراغ الأرض من أصحابها، بشتى الوسائل والطرق، من الإبادة وحتى الحصار والعزلة والتهويد.
————
إن معادلة النصر والهزيمة في المسألة الفلسطينية مغايرة تمامًا عن كل تعريف وفهم مجتزأ، في السياق العابر المحدود، وهي كذلك منافية لكل اشتراطات الظرف الراهن..