كرة القدم والرصاص: تأملات في ليلة دير جرير
كرة القدم والرصاص: تأملات في ليلة دير جرير
عيسى قراقع
في تلك الليلة 19.7.2026 كان العالم يحتفل بالمباراة النهائية لكاس العالم بكرة القدم، ملايين العيون شاخصة نحو الشاشات، تتابع كرةً بيضاء سوداء تتقاذفها أقدام ماهرة، وتتناغم على إيقاعها صيحات الفرح والآهات، في تلك الليلة، كان الفلسطيني مثل غيره، يبحث عن متنفس، عن لحظة ينسى فيها ثقل الحصار، عن استراحة محارب في معركة وجود، كانوا يجلسون في بلدة دير جرير شمال شرق رام الله، قريتهم الصامدة على التلال، ينظرون إلى الشاشة الصغيرة، يحلمون لحظة بأن يكونوا جزءاً من هذا العالم، أن يرفرف علمهم في محفل دولي، أن تكون أرضهم ميداناً للعب لا للقتال.
في الليلة التي توحد العالم فيها أمام شاشة واحدة، كان هناك عالمان منقسمان لا يلتقيان، عالم يترقب هدفا في نهائي كاس العالم، وعالم آخر يحاول أن يجمع بين الفرجة والدم، قذائف ومجازر في غزة، هجوم المستوطنين بحماية الجيش على قرية دير جرير، شهيدان وعشرات الإصابات، انطفأت الشاشات، كرات الرصاص في الرأس والاجساد، توقفت الاحتفالات في الأراضي المحتلة، ليلة دموية ومذبحة تحولت إلى خبر عابر يمر أسفل الشاشة، بينما تستمر المباراة بلا توقف.
من هذا الفلسطيني الذي يجلس فوق الأنقاض في غزة ليتابع مجريات المباراة بعين تنظر إلى الشاشة وأخرى تنظر رعبا إلى السماء؟ ومن هذا الفلسطيني القادر أن يجمع بين الفرحة المؤقتة والجنازة؟ تداخلت صيحات المعلقين مع صراخ النساء، هدف واحد في المباراة وجثتين في دير جرير، فمن سيرفع الكأس؟ ومن سيحمل الجثامين؟
منذ حرب الإبادة على غزة وسائر الأراضي المحتلة، وفي عصر الوحشية الأمريكية الصهيونية، تحول العالم إلى علم الفرجة، الصورة اهم من الحقيقة، والمشهد اهم من الإنسان، أنه زمن الشاشات العملاقة والصواريخ الفتاكة التي تخفي الضحايا خلف آلاف الصورة البراقة.
انكسرت الشاشة في دير جرير وتبعترت الاجساد والخيام في غزة، الكاميرات غير محايدة، لا تلتقط عربدات المستوطنين الإرهابية، حرق القرى والمزارع والقتل اليومي، الكاميرا تبث من هناك من الملاعب الأمريكية، فلسطين ليست على الخريطة الاستعمارية، هدف في المرمى، هياج وتصفيق واغاني، لعبة تمويه ومتاهة، متعة غبية بين كرة القدم والرصاص، يبكون على هدف ضائع ولا يبكون على شعب يذبح على مدار الساعة، لا صافرة تعلن نهاية الاحتلال، ولا عدالة في حسابات حكام المباراة.
صافرة أخرى ينتظرها الفلسطيني، صافرة الحرية، الفلسطيني يبحث عن ملعب غير مسيج بالاسلاك والموت، صافرة تمسح دمعة طفل وتقول: غدا نلعب على أرضنا ونفوز.



