الانتخابات الفلسطينية بين الاستحقاق الدستوري ومعوقات الواقع السياسي

هل تشهد الساحة الفلسطينية انتخابات تشريعية ومجلساً وطنياً مع نهاية العام؟

يوليو 1, 2026 - 14:27
الانتخابات الفلسطينية بين الاستحقاق الدستوري ومعوقات الواقع السياسي

الانتخابات الفلسطينية بين الاستحقاق الدستوري ومعوقات الواقع السياسي
هل تشهد الساحة الفلسطينية انتخابات تشريعية ومجلساً وطنياً مع نهاية العام؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تعود قضية الانتخابات الفلسطينية إلى واجهة النقاش السياسي في ظل مرحلة مفصلية تمر بها القضية الفلسطينية، حيث تبرز تساؤلات جوهرية حول إمكانية إجراء انتخابات تشريعية وانتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني مع نهاية العام، ومدى قدرة النظام السياسي الفلسطيني على تجاوز المعيقات القانونية والسياسية والأمنية التي تحول دون تجديد الشرعيات وإعادة بناء المؤسسات على أسس ديمقراطية ووطنية.
فالانتخابات في الحالة الفلسطينية ليست مجرد إجراء دستوري دوري، بل ترتبط ارتباطاً مباشراً بمسألة الشرعية السياسية، ووحدة النظام السياسي، وقدرة الشعب الفلسطيني على إعادة ترتيب البيت الداخلي في مواجهة تحديات الاحتلال ومشاريع الضم والتهجير وتصفية القضية الفلسطينية.
البعد القانوني والدستوري
يشكل الحق في الانتخاب أحد الحقوق السياسية الأساسية التي أكد عليها النظام الأساسي الفلسطيني، باعتبار الشعب مصدر السلطات، وأن تداول السلطة وتجديد المؤسسات يمثلان ركناً من أركان النظام الديمقراطي.
غير أن الواقع الفلسطيني منذ عام 2007 فرض حالة استثنائية نتيجة الانقسام السياسي وتعطل عمل المجلس التشريعي، الأمر الذي أدى إلى أزمة مستمرة في منظومة الشرعية السياسية. كما أن انتخابات المجلس الوطني تختلف في طبيعتها عن انتخابات المجلس التشريعي، كونها ترتبط بإعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، بما يتطلب توافقاً وطنياً واسعاً يضمن مشاركة مختلف القوى والفصائل ومكونات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.
ومن الناحية القانونية، فإن إجراء انتخابات حقيقية يتطلب بيئة انتخابية سليمة تقوم على حرية الترشح والدعاية والاقتراع، وضمان مشاركة جميع المناطق الفلسطينية، وهي شروط تصطدم بتعقيدات الاحتلال الإسرائيلي وسيطرته على القدس والمعابر والحركة بين المناطق.
المعيقات السياسية والأمنية
أول وأبرز المعيقات يتمثل في استمرار الانقسام الفلسطيني، إذ لا يمكن إجراء انتخابات ناجحة دون توافق وطني يضمن احترام نتائجها وعدم العودة إلى حالة الانقسام والصراع على الشرعية بعد إعلان النتائج.
كما أن الحرب على قطاع غزة وما خلفته من دمار واسع ونزوح وتحديات إنسانية وإدارية تجعل مسألة إجراء انتخابات في القطاع بحاجة إلى ترتيبات استثنائية وضمانات سياسية وقانونية، خاصة في ظل غياب بيئة مستقرة تسمح بممارسة العملية الانتخابية بصورة طبيعية.
إضافة إلى ذلك، يبقى الموقف الإسرائيلي عاملاً حاسماً، خصوصاً فيما يتعلق بمشاركة القدس الشرقية، حيث شكلت مسألة السماح للفلسطينيين في القدس بالمشاركة في الانتخابات سابقاً إحدى أبرز القضايا السياسية والقانونية. وأي محاولة لمنع مشاركة القدس ستشكل مساساً بشرعية العملية الانتخابية ونتائجها.
الحسابات الإقليمية والدولية
لا يمكن فصل ملف الانتخابات الفلسطينية عن البيئة الإقليمية والدولية. فبعض الأطراف الدولية ترى في تجديد الشرعية الفلسطينية مدخلاً لإعادة بناء المسار السياسي، بينما تخشى أطراف أخرى من نتائج انتخابية قد تعيد رسم موازين القوى الداخلية.
ولهذا فإن الانتخابات قد تواجه محاولات للتأثير على توقيتها أو شروط إجرائها، بما يجعلها مرتبطة ليس فقط بالإرادة الفلسطينية الداخلية، وإنما أيضاً بالتطورات السياسية الكبرى المتعلقة بمستقبل غزة، وإعادة الإعمار، وشكل الإدارة الفلسطينية القادمة.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول يتمثل في إجراء الانتخابات في موعدها، وهو خيار يعزز الشرعية ويعيد الاعتبار للمؤسسات الفلسطينية، لكنه يحتاج إلى توافق وطني شامل وضمانات لمشاركة غزة والقدس والشتات.
أما السيناريو الثاني فهو تأجيل الانتخابات بحكم الظروف الاستثنائية، سواء بسبب الأوضاع الأمنية أو عدم توفر شروط العملية الديمقراطية، إلا أن استمرار التأجيل دون أفق واضح قد يعمق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
أما السيناريو الثالث فهو الذهاب نحو مرحلة انتقالية سياسية يتم خلالها تشكيل إطار وطني جامع وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير وتوحيد النظام السياسي، ثم إجراء انتخابات شاملة بعد تهيئة الظروف المناسبة.
تقدير الموقف
إن إجراء انتخابات فلسطينية في هذه المرحلة يمثل حاجة وطنية وليس مجرد استحقاق قانوني، لكن نجاحها يتطلب معالجة جذور الأزمة وليس الاكتفاء بالدعوة إلى الاقتراع. فالمشكلة الفلسطينية اليوم ليست فقط في غياب الانتخابات، وإنما في غياب التوافق الوطني حول شكل النظام السياسي وآليات اتخاذ القرار.
ومن منظور استراتيجي، فإن استمرار الفراغ السياسي والانقسام يمنح إسرائيل مساحة أكبر لفرض وقائع جديدة على الأرض، بينما يشكل تجديد الشرعية الفلسطينية وإعادة بناء المؤسسات على قاعدة الشراكة الوطنية عنصر قوة في مواجهة التحديات الراهنة.
وعليه، فإن إمكانية إجراء الانتخابات مع نهاية العام تبقى مرتبطة بقدرة الفلسطينيين على تحقيق توافق داخلي، وبمدى توفر الظروف القانونية والأمنية والسياسية اللازمة. أما الإصرار على إجراء انتخابات دون معالجة هذه الملفات فقد يحولها من أداة لتجديد الشرعية إلى عامل جديد من عوامل الانقسام.
إن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية وطنية شاملة تقوم على إعادة الاعتبار للديمقراطية الفلسطينية، وتفعيل منظمة التحرير، وتوحيد القرار السياسي، لأن مواجهة المخاطر الكبرى التي تهدد القضية الفلسطينية لا يمكن أن تتم إلا بنظام سياسي موحد يستند إلى الشرعية الشعبية والوطنية.
المحامي علي أبو حبلة