الصراع بين الوعي والإستسلام
عيسى دياب.
الصراع بين الوعي والإستسلام
تكبر الأرض ويُكتب في صفحات تاريخها أحداث وأساطير فتذكر الشخصيات والجغرافيا والتاريخ المرتبطة بالقصة وهذه الصفحات دائما ما تحمل بين فقراتها وجملها القصيرة مشاعر الكاتب الذي يبكي على هزيمة معتقده فإذا قرأت كتاباً او مقالاً عن حادثة لفئة او مجموعة ربما المثليين ستجد في فقراته مؤثرات حسية عن سلميةِ هذه الفئة وطيبتها وحبها للسماء والبحار والحيوانات الأليفة ساخطاً على القتلة المجرمين " السويين " ويرسم لوحات شيطانية لفج الرؤوس وقلع العيون وتقطيع الأطراف والحرق الجماعي فتبكي عيون الأكثرية حرقة على مظلوميتهم ويدرك الواقعي حقيقة ان الكاتب واحداً منهم وأن هذه المجموعة الشاذة خرجت من مخابئها لتحلل المجتمع بضرب الفطرة الإنسانية بالتوريث وإعمار الأرض، هذا الصراع بين الوعي والإستسلام.
الواقع يثبت أن الناجحين في مجال الكتابة يتمتعون بخيال واسع جداً ترافقه قدرة على التأثير في عقل القارئ عبر إختلاق إشارات تجعل من الخيال واقعاً يُصدق تتحلل مواده بسلاسة في مجاري دماغ القارئ ليؤسس في النفوس وحدة تشترك الإيمان بهذا الفكر ويبنى عليه دين ومشروع فئوي يستقطب الأموال والأفراد حتى يصبح واقعاً حقيقاً! كالذي يقاوم الأسد عارياً ولم يتسلق الشجرة.
في قصة ربما ليست حقيقة ولكنها معبرة جداً ان رجلاً غرق في البحر وأخذ يدعوا الله أن ينقذه فأرسل الله إلى جنبه جذع شجرة ليتمسك به وينجو ولكنه لم يعتلي الجذع واستمر بالدعاء إلى أن غرق، هو كان يريد أن يبعث الله له يخت ينقذه وارسل الله له جذع شجرة، الله أرسل له أداة النجاة وهو غرق بسبب أوهامه.
وتاريخ الإنسانية لن يتخلف في مراحله المتقدمة عن مراحله السابقة ولن يتقدم سوى بالأدوات لأن النفس الإنسانية لا تتغير بأناها الداخلية والوسطى والعليا فهي مزيج من كل شر على كل خير.
وهنا نناقش الصراخ الذي يرتفع عند النشوة ويهفت عند قضائها، هفوتها هي غفوة توقظها المصالح الإستراتيجية للدول ذات المصلحة فتعود لتعلوا مجددةً ذات اللحن والكلمات في أغنية أصبحت ثقيلة على أذان المنكوبين والثكالى ومقطعي الأطراف والأيتام.
إن فهم الواقعية لا يحتاج العبقرية بقدر ألإستبصار فإذا ما مسحت غشاوة العين سترى بعين الحق الواقع الذي سيعيد ترتيب أولوياتك ومنهجك.
إذا ما كانت كثرة الشكوى تضعف البدن وكثرة الجدال العقيم تعيق التقدم فهذا هو ما يحدث فينا بحق، إن كثرة الشكوى والجدال العقيم أضعفتنا داخلياً أمام من يتربص بحقوقنا وأحلامنا والمطلوب أن نخرج من عالم الروايات وكتابة القصص التي لا تعمق سوى خسارتنا لمكتسباتنا واحدة تلو الأخرى وان ينتهي بعض الناس الذين يشعرون بالأفضلية بين الأحزاب والأفراد وليكونوا عاملين فاعلين في تقدم مسيرة شعبنا النضالي بدل التلهي بأعمال أنا أقوى منك وأنا أذكى منك لنتصارع في ما بينا على الأقوى فينا والأذكى في ملعب جمهوره المتربصين.
إن إتفاق النوايا بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران يتطلب وعي كبير من الأحزاب الفلسطينية لما هو قادم في الشرق الأوسط وخاصة ما يعنينا، أنظر إلى موسكو كيف يُضربُ عمقها وتُقصف منشأتها الإستراتيجية وإنكفاء الصين إلى داخلها وتضعضع الإتحاد الأوروبي وإستقالة رئيس وزراء المملكة المتحدة جميعها رغبات الولايات المتحدة معلنة بشكل لا يقبل التأويل أنها القوة العظمى الوحيدة في هذا العالم.
وهذا لا يعني الإستسلام كما يحاول بعض الكتاب ترويجه إنما الذكاء ومعرفة الادوات التي تجعلنا شريكاً دولياً لجميع الدول ومن بينها الولايات المتحدة الأمريكية بما يحقق مصالحنا الوطنية، أفلا نتمتع بالقليل من الحنكة لإستغلال غضب العالم وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية من الإحتلال " وحدة الموقف تحت عناوين محددة؟ " نحن لم ولن نتظاهر بأننا ضحايا لأننا ضحايا بالفعل!!!
إن زمان الحنين إنتهى؛ ما تحاول السلطة الوطنية الفلسطينية توضيحه أننا بقينا بمفردنا في ساحة المواجهة ومنذ زمن طويل! فليس هناك أنظمة في الأقليم والعالم تريد المواجهة بقدر ما تسعى للتسويات التي تضمن سيادة دولها وهذا ما يدعوا بشكل ملح الشعب الفلسطيني إلى دمج الروئا في منظمة التحرير الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني تحت هدف واحد حماية الشعب الفلسطيني والسعي الدبلوماسي الحثيث لتحقيق قرارات الأمم المتحدة والأتفاقات الدولية.
إن الأحلام التي لا تتحق هي أوهام تقضي على مستقبل أجيال يمكن أن تحقق الكثير لو أننا تركنا أنانيتنا جانباً، تذكر أن كل راعٍ مسؤول عن رعيته.
إن الصراع القائم منذ عقود هو مبدأ غريب يقلب الحقائق لتظهر الواقعية بمظهر الإستسلام بينما الإستسلام الحقيقي هو إستسلام النفس لأوهامها وأصدار كتب ومقالات ومؤلفات ترويجية تستميل العاطفة لتقلب الحق إلى باطل.
عيسى دياب.



