المشروع الوطني بين الاحتكار والشراكة
أمين الحاج
أمين الحاج
في السنوات الأخيرة، بات من المألوف جدا أن يجري التعامل مع القضايا الوطنية الكبرى بمفردات مالية او إدارية ضيقة؛ فأزمات السيولة، وفجوات الموازنة، وتأخر الرواتب لم تعد مجرد مؤشرات على اختلال اقتصادي، بل تحولت الى مدخل لإعادة صياغة الخطاب السياسي نفسه، بحيث يجري تقديم الاستقرار المؤسسي بوصفه المعادل الوحيد للاستقرار الوطني.
هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الاستعماري القائم، حيث يفرض الاحتلال منظومة تحكم شاملة، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تعيد تشكيل المجال العام وتقيّد الفعل الوطني، وتمتد سيطرتها من الموارد والحركة والتجارة إلى تفاصيل الحياة اليومية. تشير تقارير دولية حديثة الى تصاعد الهشاشة الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية، وتوسع الاعتماد على أموال المقاصة، مقابل انكماش الانتاج وتراجع الاستثمار، غير ان الخطر لا يكمن في هذه المؤشرات وحدها، بل في الطريقة التي يجري من خلالها توظيفها سياسيا.
المشكلة الأساسية تبدأ حين تتحول الازمة المالية من مسالة ادارة وموارد الى اطار تفسيري شامل لمصير القضية الفلسطينية، وهنا يجري اختزال التاريخ في الموازنة، والحقوق في التدفقات النقدية، والمشروع الوطني في قدرة المؤسسات على الاستمرار، ويصبح الكيان الاداري مرجعية الهوية، وتغيب الفكرة التي تشكلت عبر عقود من النضال والتضحيات في مواجهة استعمار ذي طابع احلالي، وسياسات تقوم على الاقتلاع والتهجير.
في هذا السياق، يبرز منطق الرؤية الواحدة بوصفه بديلا للنقاش العام، حيث تقدم القرارات الكبرى كحقائق نهائية، لا كخيارات قابلة للمساءلة، هذا النمط من التفكير لا يعكس فقط أزمة حكم، بل أزمة تصور للوطن نفسه، فالوطن لا يبنى عبر مركز واحد للقرار، ولا عبر خطاب يخاطب الناس بوصفهم متلقين للإنذارات، بل عبر شراكة سياسية واجتماعية حقيقية، تجعل المواطنين شركاء في صياغة الاولويات، لا مجرد جمهور يخشى الانهيار.
هذا المنطق الأحادي يتقاطع، من حيث النتائج، حتى دون قصد، مع رؤية الاحتلال الذي سعى طويلا لتحويل القضية من مسألة تحرر وطني وحقوق، إلى ملف إداري قابل للإدارة والاحتواء، حين يصبح الوجود السياسي معلقا بالتصاريح والرواتب والمقاصة، يجري تفريغ الاحتلال من مضمونه الاستعماري، ويعاد تعريفه بوصفه أزمة حكم محلية، فيما يتراجع الحديث عن جذور المشكلة وابعادها المتمثلة بالاحتلال.
الخروج من هذا المأزق لا يكون بتهوين المخاطر المالية ولا بتضخيمها، بل بإعادة ترتيب الأولويات، فالمطلوب ليس فقط اصلاحات مالية تعالج الهدر والفساد وتعزز الشفافية، بل اعادة فتح المجال السياسي امام المشاركة، وتجديد الشرعيات، وبناء عقد وطني قائم على الشراكة لا الاحتكار.
المشروع الوطني لا يمكن ان يدار بعقلية الشركة، بل الشراكة، ولا بخطاب الطوارئ الدائم، بل يحتاج الى رؤية جامعة، تعترف بتعدد الأصوات، وتبدع في خلق الحلول والآليات لدمجها في عملية صنع القرار، وتعيد وصل المؤسسات بالجمهور، فالأزمات المالية قطعا عابرة، حتى وان طالت، لكن الاخطر هو ان يعاد تعريف الوطن بعدسة الازمة المالية، او حين تتحول الرؤية الواحدة الى بديل عن التعدد، والخوف الى اداة للضبط، لا للتحفيز والفعل الجماعي، فالتحدي اليوم ليس فقط كيف نواجه الضغوط الاقتصادية تحت الاحتلال، بل كيف نحمي المعنى السياسي للمشروع الوطني، ونمنع تحول الأدوات المرحلية الى غايات دائمة، ونؤسس لشراكة وطنية تعيد الاعتبار لفكرة ان التحرر مشروع جماعي لا قرار إداري.





