جرعة رمضان الرقمية: كيف يصبح الذكاء الاصطناعي ملاذاً اقتصادياً في ظل ضيق الرواتب والغلاء
صدقي أبوضهير: باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي
صدقي أبوضهير: باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي
في الضفة الغربية، لم يعد رمضان مجرد موسم روحاني واجتماعي، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى اختبار اقتصادي قاسٍ للأسر والتجار على حد سواء. فمع تأخر الرواتب أو اقتطاعها، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتآكل القدرة الشرائية، يدخل المواطن الشهر الفضيل وهو يحمل في قلبه شوقًا للعبادة والتقارب العائلي، لكنه يحمل في جيبه قلقًا متزايدًا من فواتير الطعام والكهرباء والالتزامات اليومية. هنا تحديدًا، تبدأ فكرة “جرعة رمضان الرقمية” بالظهور، ليس كترف تقني أو موضة عابرة، بل كأداة بقاء اقتصادي في زمن الشح.
تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن نسبة البطالة في الأراضي الفلسطينية تتجاوز 24%، وترتفع في بعض الفئات الشبابية إلى أكثر من 40%، فيما تعاني نسبة كبيرة من الموظفين من تأخر الرواتب أو صرفها بشكل جزئي. وفي ظل هذا الواقع، يرتفع الإنفاق الاستهلاكي في رمضان بمعدل يتراوح بين 20% و35% مقارنة بالأشهر العادية، وفق تقديرات مؤسسات بحثية محلية، وهو ما يخلق فجوة مالية مؤلمة بين الدخل المحدود ومتطلبات الشهر.
لكن المفارقة أن الضفة الغربية، رغم هذا الضيق الاقتصادي، تمتلك واحدة من أعلى نسب الانتشار الرقمي في المنطقة. فمعدلات استخدام الإنترنت تتجاوز 85% من السكان، ويصل عدد حسابات التواصل الاجتماعي إلى ما يزيد عن 2.3 مليون حساب نشط، ما يعني أن السوق الرقمي أصبح ساحة حقيقية للفرص، لا مجرد مساحة للترفيه. وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي كأداة يمكنها إعادة هندسة سلوك الأفراد والشركات خلال رمضان، وتحويل الضغط الاقتصادي إلى مساحة ابتكار.
الذكاء الاصطناعي، في جوهره البسيط، هو مجموعة خوارزميات قادرة على التعلم من البيانات وتقديم حلول ذكية وسريعة. لكنه في السياق الفلسطيني الرمضاني، يتحول إلى ما يشبه “مستشارًا اقتصاديا شخصيًا” لكل تاجر وصانع محتوى وربّة منزل وشاب يبحث عن دخل إضافي. فالتاجر الذي كان يحتاج إلى مصمم ومصور وكاتب محتوى لإطلاق حملة رمضانية، أصبح بإمكانه عبر أدوات الذكاء الاصطناعي إنتاج إعلان كامل خلال ساعات، بتكلفة تقترب من الصفر، مقارنة بحملات تقليدية كانت تتجاوز مئات الدولارات.
تشير تقارير شركة ماكينزي إلى أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التسويق الرقمي يمكن أن يخفض التكاليف التشغيلية بنسبة تصل إلى 30%، ويزيد فعالية الحملات بنسبة تتراوح بين 15% و25%. وفي بيئة مثل الضفة الغربية، حيث كل دولار له وزن نفسي واقتصادي، فإن هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تعني بقاء مشروع صغير أو اختفائه من السوق.
أما على مستوى الأفراد، فإن الذكاء الاصطناعي يمنحهم فرصة تحويل هواتفهم إلى أدوات إنتاج لا استهلاك فقط. فالشاب الذي يجلس في منزله بسبب البطالة، يمكنه عبر أدوات الكتابة والتصميم بالذكاء الاصطناعي أن يقدم خدمات كتابة محتوى أو إدارة صفحات أو تصميم إعلانات خلال أيام، دون الحاجة إلى سنوات من التدريب التقليدي. وتشير بيانات منصة Upwork إلى أن الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي ارتفع بأكثر من 100% خلال عام واحد فقط، ما يعكس تحوّلًا عالميًا في طبيعة العمل، يمكن للفلسطينيين الاستفادة منه حتى في ظل القيود السياسية والاقتصادية.
رمضان في الضفة ليس مجرد شهر للصوم، بل موسم اقتصادي مصغّر تتغير فيه أنماط الاستهلاك والتسوق. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دورًا في إعادة تنظيم هذا السلوك، من خلال مساعدة الأسر على إعداد قوائم طعام اقتصادية، أو مقارنة الأسعار بين المتاجر، أو حتى اقتراح وصفات منخفضة التكلفة وعالية القيمة الغذائية. في هذا السياق، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تسويقية إلى شريك يومي في إدارة الحياة.
المثير في الأمر أن هذا التحول لا يحتاج إلى بنية تحتية ضخمة أو استثمارات حكومية معقدة، بل يبدأ من هاتف ذكي واتصال بالإنترنت. وهنا تكمن المفارقة الجميلة في هذا العالم الغريب؛ فبينما تتعثر الرواتب في طريقها إلى البنوك، تصل خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى جيوب الناس بلا حواجز. التكنولوجيا، بطريقتها الساخرة، لا تعترف بالأزمات السياسية بقدر ما تعترف بسرعة الاتصال وجودة الفكرة.
من منظور تفكير عكسي، يمكن القول إن أزمة الرواتب وغلاء الأسعار قد تكون هي نفسها الدافع الحقيقي لتسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي في الضفة الغربية. فالتاريخ الاقتصادي يخبرنا أن الابتكار غالبًا ما يولد في لحظات الضيق، لا في أوقات الوفرة. الأزمة تجبر الأفراد على التفكير بطرق غير تقليدية، والذكاء الاصطناعي يقدم لهم أدوات جاهزة لهذا التحول.
جرعة رمضان الرقمية، إذن، ليست تطبيقًا محددًا أو منصة بعينها، بل هي عقلية جديدة تقوم على استخدام التكنولوجيا لتقليل التكاليف، وزيادة الدخل، وإدارة الحياة بذكاء. إنها انتقال من منطق “الراتب الذي لا يكفي” إلى منطق “المهارة الرقمية التي تفتح بابًا إضافيًا للدخل”. وفي مجتمع شاب مثل المجتمع الفلسطيني، حيث أكثر من 60% من السكان تحت سن الثلاثين، فإن هذه الجرعة قد تكون الفارق بين جيل ينتظر الوظيفة وجيل يصنع فرصه بنفسه.
رمضان هذا العام قد لا يكون أسهل من سابقه اقتصاديًا، لكن أدواته مختلفة. وبين ضيق الجيوب واتساع العالم الرقمي، يظهر الذكاء الاصطناعي كحليف غير متوقع، لا يمل من العمل، ولا يطلب راتبًا، ولا يتأخر عن الدوام. في عالم تتقلص فيه الرواتب، قد تكون الخوارزميات هي المورد الجديد الذي لا ينضب، إذا أحسن الناس استخدامه.
* باحث ومتشار بالإعلام والتسويق الرقمي





