سوق الوهم الرقمي: حين يُباع النفاق بوصفه بطولة أخلاقية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
سوق الوهم الرقمي: حين يُباع النفاق بوصفه بطولة أخلاقية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصّات للتعبير عن الرأي، بل تحوّلت، لدى فئة متنامية، إلى مسارح مُحكمة الإخراج لإنتاج الوهم وتسويق النفاق. في هذا الفضاء المفتوح، يبرز أشخاص يُقدّمون أنفسهم بوصفهم “أشاوس المواقف” و“حراس القيم” و“فرسان الوطنية والدين”، بينما تكشف التجربة والواقع أن ما يُعرض على الشاشة لا يمتّ بصلة حقيقية إلى السلوك الفعلي خارجها.
المشكلة لا تكمن في اختلاف الناس أو في حقّهم بالتعبير، بل في التضليل المتعمّد، حين يُستبدل الصدق بالأداء، والموقف الحقيقي بالصورة المُنمّقة. نقرأ منشورات مشبعة بالشعارات، ونشاهد مقاطع مصوّرة تُفيض حديثًا عن الإيثار، والتضحية، ونقاء الذمّة، فنظنّ أننا أمام نماذج يُحتذى بها. غير أن الاقتراب من الواقع يكشف فجوةً خطيرة بين القول والفعل، وبين الخطاب والسلوك، ما يجعلنا أمام حالة نفاق ممنهج لا عارضٍ إنساني عابر.
الأخطر في هذا المشهد هو تأثيره على وعي المواطنين، ولا سيما البسطاء منهم. فهؤلاء لا يتعاملون مع هذه الشخصيات بوصفها آراء شخصية، بل كمرجعيات أخلاقية ووطنية. يتبنّون خطابها، يدافعون عنها، ويعيدون إنتاجه، حتى لو تعارض أحيانًا مع قناعاتهم أو مع أبسط معايير المنطق. وحين تنكشف الحقائق، لا تكون الصدمة فردية، بل جماعية، تُنتج إحباطًا عامًا، وشكًّا في كل خطاب، حتى الصادق منه.
نواجه اليوم ظاهرة “المثقف الفيسبوكي” الذي أتقن فنّ المجاملات الجاهزة، ونسخ عبارات الثناء، وتبادل الإطراء مع شخصيات مؤثرة، لإيهام الجمهور بتاريخ نضالي مشترك أو وحدة قيمية مُختلَقة. تُستثمر الصور واللقطات والوسوم لإعادة تدوير الذات، لا لخدمة قضية أو موقف. وتتحوّل الوطنية والأخلاق إلى أدوات عرض، لا إلى التزام فعلي يُقاس بالممارسة والمسؤولية.
ولا يقلّ خطرًا عن ذلك، أولئك الذين يعتلون منابر الوعظ الأخلاقي أو الديني عبر الفضاء الرقمي. يُصدرون الأحكام، ويُحدّدون للناس كيف يجب أن يكونوا، بينما تكشف الوقائع تناقضًا فاضحًا بين خطابهم العلني وسلوكهم الخاص. هنا لا تكون الخسارة أخلاقية فقط، بل اجتماعية أيضًا، إذ يتولّد شعور عام بأن القيم نفسها مجرّد أقنعة قابلة للاستخدام، ما يفتح الباب أمام اللامبالاة والانفلات.
حتى الخطاب الإبداعي لم يسلم من هذا التزييف. شعراء وكتّاب وأدباء يتغنّون بآلام الفقراء وأحلام الوطن، ويُهاجمون “الآخرين” بوصفهم سبب الخراب، بينما لا تتجاوز مواقفهم حدود المنشور أو القصيدة. يُستهلك الألم كسلعة، وتُستثمر المعاناة كوسيلة حضور، لا كالتزام إنساني أو وطني صادق.
إن المجاملة، بوصفها سلوكًا اجتماعيًا، ليست مرفوضة في ذاتها. لكن حين تتحوّل إلى إفراط، وتصبح قاعدة لا استثناء، فإنها تفقد معناها، وتندمج بالنفاق والكذب. عندها يُضلَّل الرأي العام، وتختلط المعايير، ويصعب على المواطن التمييز بين الصادق والمتلوّن، وبين النقد البنّاء والانتهازية المقنّعة.
لقد أصاب الأديب الكبير نجيب محفوظ جوهر الحقيقة حين قال: “لا يعلو صوت على النفاق، هذه هي مأساتنا.” فالمأساة اليوم لا تكمن فقط في وجود المنافقين، بل في تحويلهم إلى نجوم، ومنحهم شرعية جماهيرية عبر الإعجابات والتصفيق غير النقدي.
إن واجب التوعية اليوم يفرض على المواطنين ألّا يكونوا وقودًا لهذا السوق الرقمي الزائف. المطلوب هو ربط الخطاب بالممارسة، وعدم الانخداع بالشعارات، ومساءلة من يتصدّرون المشهد العام: ماذا فعلوا على أرض الواقع؟ وما كلفة مواقفهم؟ ومن يدفع ثمن هذا الخطاب؟
فمن دون وعي نقدي، سيبقى النفاق يتقدّم، ويتراجع الصدق، وتُختطف القيم باسمها. والمسؤولية، في نهاية المطاف، مسؤولية مجتمع بأكمله، لا أفرادًا بعينهم.



