حين تغيب عين النقد.. من يحمي الأدب من المجاملة؟
بقلم: د. منتصر الكم
حين تغيب عين النقد.. من يحمي الأدب من المجاملة؟
بقلم: د. منتصر الكم
في كل مرحلة ازدهار ثقافيّ كان النقد الأدبيّ يقف بوصفه الضمير اليقظ للحركة الإبداعية؛ يراقب مساراتها، ويقوِّم انحرافاتها، ويدفعها نحو مزيدٍ من العمق والنضج. فالأدب لا ينمو في الفراغ، ولا يترسَّخ بمجرد كثرة الإصدارات، بل يحتاج إلى قراءةٍ واعيةٍ تكشف جمالياته، وتفضح نقاط ضعفه، وتمنح القارئ معياراً يميّز بين القيمة الحقيقية والضجيج العابر، ومن هنا لم يكن النقد يوماً خصماً للإبداع، بل أحد شروط بقائه حيّاً وقادراً على التطور.
غير أن المشهد الثقافي المعاصر يشهد مفارقةً لافتة؛ فبينما تتزايد الإصدارات الأدبية بشكل غير مسبوق، تتراجع الحركة النقدية القادرة على مواكبة هذا الزخم، فلقد أتاح التطور التكنولوجي والنشر الرقمي فرصاً واسعة للتعبير، وهو أمرٌ إيجابيٌّ في جوهره، إلا أن هذا الاتساع لم يواكبه حضورٌ نقديّ مهنيّ يضمن جودة المنجز الأدبي، ومع غياب هذه العين الفاحصة تختلط المعايير، وتتقدَّم أدوات الدعاية والعلاقات على حساب القيمة الفنية، حتى بات الحضور الإعلامي أحياناً أكثر تأثيراً من جودة النص نفسه.
إن النقد الأدبي البنَّاء لا يقوم على التجريح ولا على المجاملة، بل على قراءة دقيقة تستند إلى معرفة واسعة وخلفية ثقافية راسخة، فالناقد المهني لا يكتفي بإطلاق الأحكام، بل يبرّر رأيه، ويضيء للقارئ مناطق الجمال والخلل داخل النص، إنه يحاكم العمل الأدبي بمعايير جمالية وفكرية، لا بعلاقته الشخصية مع الكاتب أو بمكانته في الوسط الثقافي، ولذلك فإن غياب النقد الحقيقي يفتح الباب أمام فوضى أدبية يصبح فيها كل نصٍّ متساوياً في القيمة، ويضيع صوت المبدع الحقيقي وسط ضجيج الإنتاج المتكاثر.
ومما يزيد الأزمة تعقيداً أن كثيراً من الدراسات النقدية تبقى محصورة داخل الأطر الأكاديمية، بعيداً عن الجمهور العام، فحين ينفصل النقد عن الفضاء الثقافي الحي يفقد جزءاً كبيراً من تأثيره، ويتحوَّل إلى نشاط نظريٍّ لا يسهم فعلياً في توجيه الذائقة أو تطوير الحركة الأدبية، ومن هنا تبرز أهمية المؤسسات الثقافية، ومنها وزارة الثقافة الفلسطينية، في دعم منصات نقدية مستقلة تتيح الحوار الجاد، وتشجّع تعدد الأصوات بعيداً عن الاحتكار والمجاملات.
وفي ظل اتساع المنصات الرقمية، تتضاعف الحاجة إلى نقدٍ يواكب العصر ويستثمر أدواته الجديدة، فالحوارات الثقافية الإلكترونية، والبودكاست، والمراجعات الرقمية يمكن أن تعيد للنقد حضوره وتأثيره، بشرط ألّا تتحول هذه المنصات إلى فضاءات للترويج فقط، فالتكنولوجيا ليست بديلاً عن العمق المعرفي، بل وسيلة جديدة لنقل هذا العمق إلى جمهور أوسع.
إن وظيفة النقد ليست إقصاء المبدع، بل مساعدته على تطوير تجربته وتجاوز التكرار، فالمبدع الذي لا يواجه قراءة نقدية جادة قد يقع في أسر النجاح السهل، أو يكرّر نفسه من دون وعي، والإبداع الحقيقي لا يقاس بعدد المؤلفات، بل بقدرته على إضافة جديدة إلى المشهد الثقافي، وهذه الإضافة لا يبرزها إلا نقدٌ واعٍ يمتلك الشجاعة والمهنية في آنٍ واحد.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن نهضةٍ أدبية حقيقية من دون حركة نقدية فاعلة، فالنقد هو البوصلة التي تحفظ الاتجاه، والضوء الذي يكشف الطريق وسط ضجيج الأصوات، وحين تغيب عين النقد يصبح الأدب أكثر عرضة للمجاملة، ويخسر المجتمع الثقافي أحد أهم أدواته في فرز الجيد من العابر، والأصيل من المزيَّف.





