الكفاءات الفلسطينية وحق الدولة: رأس مال بشري يُعطَّل بإرادة سياسية دولية
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
الكفاءات الفلسطينية وحق الدولة: رأس مال بشري يُعطَّل بإرادة سياسية دولية
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
يمتلك الفلسطينيون واحدًا من أعلى مستويات التعليم والكفاءة البشرية في المنطقة، مع انتشار واسع للنخب العلمية والمهنية في مختلف دول العالم، حيث شغل كثير منهم مناصب قيادية رفيعة في دول أمريكا اللاتينية وأوروبا والولايات المتحدة. كما أن البنية المؤسسية الفلسطينية – ولا سيما الجامعات والمعاهد والمؤسسات التربوية والبلديات – سبقت قيام إسرائيل بعشرات السنين.
رغم ذلك، لا يزال الفلسطينيون محرومين من تحويل هذا الرصيد البشري إلى دولة ذات سيادة، نتيجة معوقات سياسية دولية تتجاوز مسألة الجاهزية أو القدرة.
يملك الفلسطينيون رأس مال بشري مرتفع: وهم من أعلى الشعوب تعليمًا وأدنى نسب الأمية، قياسًا بظروف الاحتلال واللجوء.
وهناك انتشار عالمي للنخب:وحضور فلسطيني فاعل في الجامعات، مراكز الأبحاث، الإدارة العامة، والقطاع الصحي، مع تولّي مناصب قيادية في دول متعددة.
إرث مؤسسي سابق للدولة: جامعات ومعاهد تعليمية وتربوية وطنية سبقت قيام دولة الاحتلال بعقود. وبلديات ومرافق خدمات عامة قائمة قبل عام 1948، أدارت شؤون المدن الفلسطينية بكفاءة وتنظيم.
تعطيل ممنهج للقدرات: من خلال القيود المفروضة على الحركة، والبحث العلمي، والتمويل، تحول دون الاستثمار الطبيعي في الإنسان الفلسطيني.
هذا وتؤكد تقارير صادرة عن الأمم المتحدة أن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير حق غير قابل للتصرف، وأن بناء المؤسسات والتعليم يشكّل ركيزة أساسية لأي عملية سلام مستدامة.
كما تشير تقارير اليونسكو إلى التقدّم الملحوظ في مؤشرات التعليم الفلسطينية، وإلى دور التعليم في حماية الهوية الوطنية وتعزيز التنمية البشرية، رغم القيود السياسية والاحتلالية.
هذه التقارير تُبرز فجوة واضحة بين الاعتراف الدولي النظري بالحقوق الفلسطينية، وبين غياب الإرادة السياسية لترجمة هذا الاعتراف إلى سيادة فعلية.
الدلالة السياسية هو إن استمرار تعطيل قيام دولة فلسطينية لا يرتبط بضعف الكفاءة أو غياب المؤسسات، بل بالخوف من قيام دولة: تعتمد على اقتصاد المعرفة وتمتلك نخبة قانونية وأكاديمية قادرة على مساءلة الاحتلال دوليًا وتشكّل نموذجًا لدولة حديثة في بيئة إقليمية مضطربة
وعليه، فإن الإبقاء على الوضع القائم يخدم مصالح سياسية واقتصادية لبعض القوى الدولية، على حساب الاستقرار والعدالة.
الرسائل الأساسية للمجتمع الدولي تتمثل في أن الفلسطينيون جاهزون للدولة علميًا ومؤسسيًا.
وان التعليم والجامعات الفلسطينية ليست وليدة اللحظة، بل امتداد تاريخي سابق لقيام دولة الاحتلال.
تعطيل رأس المال البشري الفلسطيني يشكّل انتهاكًا غير مباشر لحق تقرير المصير. ودعم التعليم دون سيادة يبقى دعمًا ناقصًا وغير مستدام.
توصيات عملية للدول والبعثات الدبلوماسية:
الانتقال من دعم إنساني مؤقت إلى دعم سياسي وتمكيني لبناء دولة فلسطينية مستقلة.
وللمنظمات الدولية:ربط تقارير التعليم والتنمية بخطوات سياسية واضحة لإنهاء القيود المفروضة على المؤسسات الفلسطينية.
وللنخب الفلسطينية: ضرورة توحيد الخطاب العلمي والقانوني في المحافل الدولية لتكريس الرواية القائمة على الكفاءة والجاهزية.
وخلاصة القول إن القضية الفلسطينية لم تعد قضية شعب يفتقر إلى المقومات، بل قضية شعب تُمنَع عنه الدولة رغم امتلاكه كل عناصرها، وفي مقدمتها الإنسان المتعلم والمؤسسة الراسخة.
إنصاف الفلسطينيين اليوم لا يبدأ بالمساعدات، بل بالاعتراف العملي بحقهم في تحويل علمهم وكفاءتهم إلى سيادة ودولة كاملة العضوية في المجتمع الدولي.
المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة



