هل تتجه الولايات المتحدة إلى مواجهة مع إيران في ذكرى الثورة الخمينية؟

قراءة استراتيجية في تداخل الأزمات الداخلية الأميركية مع حسابات الردع الإقليمي

فبراير 1, 2026 - 09:05
هل تتجه الولايات المتحدة إلى مواجهة مع إيران في ذكرى الثورة الخمينية؟

هل تتجه الولايات المتحدة إلى مواجهة مع إيران في ذكرى الثورة الخمينية؟
قراءة استراتيجية في تداخل الأزمات الداخلية الأميركية مع حسابات الردع الإقليمي
مقدمة
يتزايد الجدل في الأوساط السياسية والإعلامية حول احتمالات تصعيد أميركي ضد إيران، بالتزامن مع اقتراب الأول من شباط/فبراير، الذي يصادف ذكرى الثورة الإيرانية عام 1979. ويأتي هذا الجدل في ظل مناخ سياسي أميركي شديد الاستقطاب، وتداول إعلامي مكثف لتسريبات واتهامات تمس الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت الأزمات الداخلية قد تدفع باتجاه تصعيد خارجي محسوب أو غير محسوب.
غير أن مقاربة هذا السؤال تتطلب فصلًا دقيقًا بين التحليل السياسي الرصين وبين الضجيج الإعلامي، وبين ما هو افتراضي وما هو قابل للتحقق ضمن منظومة صنع القرار الأميركي.
أولًا: السياق الداخلي الأميركي وحدود التأثير على القرار العسكري
لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة تمرّ بمرحلة من الانقسام السياسي والمؤسسي العميق، حيث تتداخل الملفات القضائية مع الصراع الانتخابي والإعلامي. إلا أن المنظومة الدستورية الأميركية تفرض قيودًا واضحة على أي رئيس، حاليًا أو سابقًا، في اتخاذ قرارات كبرى تتعلق بالحرب والسلم.
فالقرار العسكري في الولايات المتحدة لا يُتخذ كرد فعل آني على أزمات إعلامية، بل يخضع لتقديرات معقدة تشمل:
موقف الكونغرس
توصيات وزارة الدفاع والأجهزة الاستخبارية
انعكاسات القرار على الاقتصاد الأميركي وأسواق الطاقة
ردود الفعل الدولية، ولا سيما من الحلفاء الأوروبيين
وعليه، فإن الربط المباشر بين الضغوط الداخلية واحتمال شن حرب شاملة يبقى افتراضًا تحليليًا لا يمكن الجزم به.
ثانيًا: إيران في الحسابات الاستراتيجية الأميركية
تُعدّ إيران لاعبًا إقليميًا محوريًا، وأي مواجهة عسكرية مباشرة معها ستتجاوز حدودها الجغرافية لتطال الخليج، وطرق الملاحة الدولية، وأسواق النفط، فضلًا عن انعكاساتها الأمنية على حلفاء واشنطن في المنطقة.
لهذا السبب، اعتمدت الإدارات الأميركية المتعاقبة، بما فيها إدارة ترامب السابقة، سياسة الضغط الأقصى دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، مع استخدام أدوات متعددة تشمل العقوبات، والعزل الدبلوماسي، والردع غير المباشر.
وتُظهر التجربة أن واشنطن، رغم خطابها المتشدد، كانت حريصة على ضبط مستوى التصعيد وتجنّب المواجهة الشاملة ذات الكلفة غير المحسوبة.
ثالثًا: العامل الإسرائيلي وتأثيره في مسار التصعيد
تحتل إيران موقعًا متقدمًا في سلّم التهديدات الاستراتيجية الإسرائيلية، وتسعى تل أبيب منذ سنوات إلى دفع المجتمع الدولي، وخصوصًا الولايات المتحدة، إلى تبنّي نهج أكثر صرامة تجاه طهران.
غير أن التباين بين الرؤية الإسرائيلية والرؤية الأميركية يتمثل في أن واشنطن تنظر إلى أي حرب مع إيران من زاوية الكلفة الشاملة، بينما تنطلق إسرائيل من اعتبارات أمنية مباشرة ومحددة. وهذا التباين يفسّر عدم تحوّل الضغوط الإسرائيلية المتكررة إلى قرار أميركي بالحرب حتى الآن.
رابعًا: رمزية التوقيت بين الدلالة السياسية والقرار الاستراتيجي
صحيح أن للتوقيت أحيانًا دلالات سياسية وإعلامية، إلا أن المؤسسة العسكرية الأميركية لا تبني قراراتها المصيرية على الرمزية وحدها. فالقيام بعمل عسكري في ذكرى الثورة الإيرانية قد يحمل رسالة سياسية، لكنه في المقابل قد يؤدي إلى تعزيز التماسك الداخلي الإيراني بدل إضعافه، وهو عامل يُؤخذ بعين الاعتبار في مراكز صنع القرار.
خامسًا: الإطار القانوني الدولي
من منظور القانون الدولي، فإن أي عمل عسكري ضد دولة ذات سيادة يجب أن يستند إلى:
حالة دفاع شرعي وفق المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، أو
تفويض صريح من مجلس الأمن الدولي
وفي غياب ذلك، فإن أي هجوم سيُنظر إليه كخرق للقانون الدولي، مع ما يحمله ذلك من تداعيات سياسية وقانونية على مكانة الولايات المتحدة ونظام الشرعية الدولية.
سادسًا: السيناريوهات الأكثر ترجيحًا
استنادًا إلى المعطيات المتوافرة، تبدو السيناريوهات التالية أكثر واقعية من خيار الحرب الشاملة:
تصعيد سياسي وإعلامي محسوب دون مواجهة عسكرية مباشرة.
ضغوط اقتصادية ودبلوماسية إضافية مع إبقاء قنوات التواصل غير المباشر مفتوحة.
عمليات محدودة أو غير مباشرة في إطار الصراع منخفض الحدة.
عودة إلى مسار تفاوضي مشروط إذا ما توافرت ظروف إقليمية ودولية مواتية.
خاتمة
في ظل التداخل المعقّد بين الأزمات الداخلية الأميركية، وحسابات الردع الإقليمي، والتوازنات الدولية، يبدو أن خيار المواجهة الشاملة مع إيران لا يزال مستبعدًا، رغم ارتفاع منسوب الخطاب والتكهنات.
فالسياسة الدولية لا تُدار بردود الفعل أو الرمزية الزمنية، بل بحسابات المصالح والكلفة والنتائج. وعليه، فإن المرحلة الراهنة أقرب إلى حرب رسائل وضغوط منها إلى قرار حرب مفتوحة، مع بقاء كل الاحتمالات رهينة بتطورات مفاجئة لا يمكن استبعادها كليًا.
إعداد:
المحامي علي أبو حبلة
باحث  في القانون  ومحلل سياسي 
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة