غزة والهوية الوطنية
بهاء رحال
بهاء رحال
تتراوح غزة بين مشاريع اختطافها وفصلها عن الضفة، وبين محاولات البقاء كجزء من الأرض المحتلة. فكل الأنظار تتجه نحو الهيئة الإدارية التي تم تشكيلها لتتبع مجلس السلام برئاسة ترامب، ولم يعد يخفى على أحد أن ترامب ونتنياهو يعملان على تحييد دور السلطة الفلسطينية، وأنهم اتخذوا قرارهم بفصل القطاع عن الضفة، وأن يكون التمثيل الفلسطيني في أقل حضوره، مجتزأً وباهتًا، تحت أوامر وتعليمات ما بات يُعرف بمجلس السلام، وأن لا تتبع هذه الهيئة الحديثة مؤسسات منظمة التحرير أو السلطة الفلسطينية المعترف بها دوليًا كممثل للشعب الفلسطيني. وهذه ليست مفارقة حديثة، بل إن المساعي الدائمة للاحتلال كانت ولا تزال شطب التمثيل الموحد للشعب الفلسطيني، وعبر كل العقود كان يدفع بالانقسام تارة، وبتشكيل هيئات ولجان وروابط قرى لكي تكون بديلًا، وعلى مر تلك العقود ظل الاحتلال يفشل، وبقيت منظمة التحرير ممثلًا للكل الفلسطيني في الداخل والخارج، تحظى بدعم شعبي واعتراف دولي، وهي بالنسبة للفلسطينيين البيت المعنوي للكل الفلسطيني الذي لا بديل عنه.
صحيح أن حجم الدمار الهائل الذي خلفته حرب الإبادة يحتاج تدخلًا دوليًا كبيرًا لإعادة إعمار القطاع، فأهوال حرب الإبادة فظيعة وما أحدثته من خراب كبير، يستدعي التدخل الدولي الفاعل، ولكن ليس على طريقة ترامب الساعي إلى امتلاك غزة وتحويلها إلى خزينة أصول شركاته وأملاكه كواحدة من عقاراته التي لا تُعد ولا تُحصى، وهذا الترويج السخيف الذي رأيناه في مؤتمر دافوس من سيناريوهات معدة لعمليات البناء والاستثمار بناطحات سحاب عملاقة ومنتجعات وغيرها.
غزة ليست للبيع ولا تقبل أن يستملكها أحد، هكذا تقول الأعداد المسجلة لدى معبر رفح من أجل العودة فور افتتاحه، وهي عودة ليست رمزية قط، بل فعلية وعملية، حيث إن الأعداد الكبيرة لمن يرغبون بالعودة إلى غزة رغم كل الدمار والخراب، وجزءًا كبيرًا منهم يعلم أنه عائد ولا بيت قائم له، بل بقايا بيته الذي هُدم بفعل القصف.
إن خطط ترامب ومشاريع استملاك غزة ستفشل بفعل الوجود الغزي المرتبط بأرضه، تمامًا كما أنهم سيرفضون كل مشاريع التبعية والانتداب، فحق الفلسطيني أن يعيش بحرية واستقلال حق مقدس لا أحد يتنازل عنه.
وهذا لا يعني أبدًا رفض اللجنة الإدارية بما تمثله، ففيها شخصيات وازنة ووطنية وخبرات فلسطينية ذات كفاءة عالية، ولكن يعني الانتباه إلى دورها إذا ما ارتبط بدور سياسي بعيد عن منظمة التحرير الفلسطينية، مضاف إلى الدور المناط بها من حيث عملية إعمار ما خلفته حرب الإبادة.





