غزة والذكاء الاصطناعي

بقلم: عبد الرحمن الخطيب : باحث ومختص فى تطبيقات الذكاء الاصطناعي

فبراير 1, 2026 - 09:48
غزة والذكاء الاصطناعي

بقلم: عبد الرحمن الخطيب : باحث ومختص فى تطبيقات الذكاء الاصطناعي

دفعت غزة ثمناً باهظاً لما يمكن تسميته بـ«استدامات الذكاء»، ليس لأنها امتلكت هذه التقنيات، بل لأنها كانت أحد الميادين التي جرى فيها اختبارها وتوظيفها في أكثر صورها قسوة، فالحرب الحديثة تُدار فقط بالسلاح التقليدي، بل بمنظومات ذكاء اصطناعي تتقاطع فيها البيانات، والخوارزميات، واتخاذ القرار الآلي، لتعيد تعريف معنى السيطرة والهيمنة، وفي هذا السياق، كانت غزة مساحة مكثفة لتجربة كيف يمكن للتكنولوجيا الذكية أن تُستخدم ضد الإنسان بدل أن تُستخدم من أجله.

كشفت السنوات الأخيرة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد محصوراً في الاقتصاد أو الطب أو التعليم، بل أصبح جزءً بنيوياً من منظومات الحرب والأمن، ففي غزة، استُخدمت تقنيات تحليل البيانات الضخمة، والتعرف على الأنماط، والأنظمة التنبؤية، في مجالات متعددة: من المراقبة المستمرة عبر الطائرات المسيّرة، إلى تحليل الاتصالات، إلى أنظمة تصنيف الأهداف التي تُحوِّل البشر إلى «نقاط بيانات»، فهذه التقنيات، التي تُسوَّق عالمياً باعتبارها أدوات كفاءة ودقة، تحولت في الواقع الغزي إلى أدوات تسريع للقتل وتقليص للمسافة بين القرار والدمار.

امتد الثمن الذي دفعته غزة إلى مجالات مدنية لا تقل خطورة. أصيبت البنية التحتية الرقمية بالشلل، من شبكات الاتصالات إلى قواعد البيانات الصحية والتعليمية، ما أدى إلى فقدان أو تدمير كم هائل من البيانات الحيوية، فتعطلت المستشفيات ليس فقط بسبب القصف، بل بسبب انهيار الأنظمة التقنية الداعمة لها، من نظم إدارة المرضى إلى الأجهزة المرتبطة بالسجلات الطبية والتدخلات العلاجية، وتضرر التعليم حين انقطعت المنصات الرقمية، وضاعت سجلات، وتراجع الوصول إلى المعرفة في عالم بات يعتمد على الذكاء الاصطناعي كوسيط أساسي للتعلم.

لم يكن الثمن مادياً فقط، بل معرفياً وأخلاقياً، فقد ساهم ما جرى في غزة في تكريس نموذج خطير: نموذج يُظهر أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعمل بكفاءة عالية في بيئات يغيب عنها أي توازن أخلاقي أو مساءلة قانونية، هكذا تحولت الخوارزميات إلى فاعل غير مرئي، لا يُحاسَب، لكنه يترك أثراً عميقاً على حياة الناس ومستقبلهم، وهذا ما يجعل غزة مثالاً صارخاً على فشل الخطاب العالمي حول «الذكاء الاصطناعي المسؤول» عندما يُختبر في سياق القوة غير المتكافئة.

ورغم هذا الواقع القاتم، فإن المفارقة تكمن في أن الذكاء الاصطناعي نفسه يمكن أن يكون جزءً من مسار التعافي وإعادة الإعمار والازدهار، لا بوصفه مصباح علاء الدين السحري، بل كأداة إذا أُعيد توجيهها أخلاقياً وإنسانياً ، يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي أن تُستخدم في توثيق الأضرار بدقة في البداية، عبر تحليل صور الأقمار الصناعية لتقدير الخسائر العمرانية والبيئية، ما يساهم في تخطيط إعادة الإعمار على أسس علمية عادلة. ويمكنها دعم القطاع الصحي عبر نماذج تشخيص عن بُعد، وأنظمة ذكية لإدارة الموارد الطبية في بيئة تعاني من شح الإمكانات.

يفتح التعليم بدوره أفقاً مهماً لإعادة الإزهار. تتيح أدوات الذكاء الاصطناعي التعليمي منصات تعلم مرنة، قادرة على تجاوز القيود المكانية، وتقديم محتوى مخصص للطلبة في ظروف استثنائية، ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دورا في حفظ الذاكرة الجماعية لغزة، من خلال أرشفة الشهادات، وتحليل الروايات، ومواجهة التضليل الرقمي المتعمد.

يتطلب هذا التحول شرطاً أساسياً : نقل الذكاء الاصطناعي من موقع السيطرة إلى موقع الخدمة، ومن منطق الهيمنة إلى منطق العدالة، لا يمكن الحديث عن ازدهار تقني في غزة دون بناء سيادة رقمية، وحماية للبيانات، وتأهيل البنى التحتية الأساسية، وإشراك الكفاءات المحلية في تصميم الحلول، لا استيراد نماذج جاهزة مفصولة عن الواقع،  هنا يصبح الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية، بل خياراً سياسياً واخلاقياً.

تُظهر تجربة غزة أن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل: لصالح من يعمل، وتحت أي منظومة قيم. بين الدمار والإعمار، يقف الذكاء الاصطناعي على الحافة نفسها التي يقف عليها الإنسان. والاختيار، في النهاية، ليس تقنيًا فقط، بل إنساني بامتياز.