خوارزمية تيك توك: مشروب الطاقة الرقمي الذي أدمنه العالم… وتحولت تركيبته إلى ملف أمن قومي
بقلم : صدقي ابوضهير / باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي
بقلم : صدقي ابوضهير / باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي
تخيّل أن خوارزمية تيك توك ليست برنامجًا، بل مشروب طاقة فائق التركيز. ليس من تلك التي تُشرب للمتعة، بل من النوع الذي يضرب الجهاز العصبي مباشرة، يوقظك، يشدّك، يرفع نبضك، ثم يجعلك تطلب الجرعة التالية دون أن تسأل عمّا بداخل العلبة. هنا يبدأ الفهم الحقيقي لِمَ تحوّلت هذه الخوارزمية من منتج تقني إلى قضية أمن قومي، ولماذا وُصفت بأنها «أثمن قطعة برمجية في الوجود».
تيك توك لم يدخل سوق المنصات كما دخل غيره. لم يقل للمستخدم: من أصدقاؤك؟ من تتابع؟ بل سأله سؤالًا أعمق وأخطر: ماذا تفعل عندما لا يراك أحد؟ منذ اللحظة الأولى، تبدأ الخوارزمية بمراقبة الإشارات الدقيقة جدًا: كم ثانية شاهدت؟ أين توقفت؟ هل أعدت المقطع؟ هل مررت عليه بلا اهتمام؟ هذه التفاصيل الصغيرة، التي تبدو تافهة للإنسان، هي الكافيين الخالص للخوارزمية. منها تُبنى صورة سلوكية حية تتحدّث عنك لحظة بلحظة.
صفحة «لك» ليست صفحة محتوى، بل علبة مشروب طاقة مصممة خصيصًا لجهازك العصبي. بث لا نهائي من فيديوهات قصيرة، كل واحد منها جرعة مركزة، لا تمنحك وقتًا للتفكير، بل فقط للاستهلاك. هنا لا تُقاس القيمة بما تحبه أو تكرهه لفظيًا، بل بما يحتجز انتباهك فعليًا. الخوارزمية لا تصدّق الكلام، تصدّق الزمن. الزمن الذي تقضيه أمام الشاشة هو العملة الحقيقية، وكل ثانية إضافية هي دليل إدانة أو شهادة إعجاب.
من الناحية التقنية، قلب هذه المنظومة هو نظام توصية حي يعمل كما يعمل مشروب الطاقة في الدم. لا ينتظر ساعات أو أيامًا ليؤثر، بل يتفاعل فورًا. نظام “Monolith” الذي طورته ByteDance يعتمد على تدريب مستمر في الزمن الحقيقي. أي أن الخوارزمية تتعلم منك أثناء الاستخدام، وتغيّر سلوكها مع تغيّر مزاجك، وقتك، وحتى حالتك النفسية. هذا ليس أرشفة اهتمامات، بل تفاعل عصبي رقمي دائم.
ومثل أي مشروب طاقة خطير، لا يكتفي بالتفاعل، بل يجرّب. إذا شاهدت محتوى عن السيارات، لن يكتفي الخوارزمية بتكراره، بل سيرفع الجرعة تدريجيًا: سيارات أسرع، أكثر تطرفًا، أكثر إثارة. يراقب نبضك الرقمي: هل أكملت؟ هل توقفت؟ هل اندفعت؟ إن تجاوبت، يفتح لك مسارًا جديدًا من الاهتمام. هكذا لا تُكتشف رغباتك فقط، بل تُصنع أحيانًا.
قوة تيك توك الحقيقية لا تكمن فقط في الذكاء، بل في الكثافة. الفيديو القصير يعني عددًا هائلًا من الإشارات في وقت قياسي. في عشر دقائق، تمنح الخوارزمية عشرات القرارات السلوكية. هذا يسرّع التعلم الخوارزمي بشكل يجعل منصات الفيديو الطويل تبدو بطيئة، ثقيلة، منخفضة الجرعة. تيك توك هو الإسبريسو مقارنة بالقهوة المفلترة.
لهذا قال مهندس سابق إن هذه الخوارزمية هي أثمن قطعة برمجية في العالم. لأنها لا توزع المحتوى فحسب، بل تبني حلقة مغلقة تشبه الإدمان الكيميائي: محتوى يولّد تفاعلًا، التفاعل يولّد بيانات، البيانات تحسّن الدقة، والدقة تعود بمحتوى أشد تأثيرًا. حلقة ذاتية التغذية، مثل مشروب طاقة لا ينتهي مفعوله بل يطالب بجرعة أعلى.
هنا خرجت القصة من إطار الاقتصاد الرقمي إلى نطاق الأمن القومي. عندما تتحكم خوارزمية واحدة بما يراه مئات الملايين يوميًا، فهي لا تؤثر على السوق فقط، بل على الوعي الجمعي، ترتيب الأولويات، تطبيع الأفكار، وتهميش أخرى. ما يُعرض بكثافة يصبح طبيعيًا، وما يُخفى يصبح هامشيًا. هذه ليست دعاية مباشرة، بل توجيه انتباه ناعم، وهو أخطر أشكال التأثير.
لهذا أصرت الولايات المتحدة على أن المسألة ليست تطبيقًا صينيًا، بل خوارزمية قادرة على تشكيل الرأي العام. المخاوف لم تتوقف عند البيانات الشخصية، بل امتدت إلى إمكانية توجيه المحتوى نفسه. ومع تصاعد التوتر، وصلت المواجهة إلى ذروتها بقانون 2024 الذي فرض إما بيع العمليات الأمريكية أو الحظر الكامل.
لكن بكين تدخلت عند الخط الأحمر. في عام 2020، أدرجت الصين تقنيات التوصية الشخصية المبنية على تحليل البيانات ضمن التقنيات الخاضعة لرقابة التصدير. الرسالة كانت واضحة: يمكنك بيع الزجاجة، لا التركيبة. يمكنك نقل التطبيق، لا الكافيين.
في يناير 2026 ظهر الحل الهجين: كيان أمريكي يدير تيك توك داخل الولايات المتحدة، بمستثمرين أمريكيين ودوليين، بينما تبقى الخوارزمية خارج الصفقة. كأنك تشتري مشروب الطاقة بلا المادة الفعالة.
الخلاصة أن العالم لا يعيش أزمة تطبيق، بل أزمة انتباه. تيك توك كشف أن السيطرة في العصر الرقمي لا تكون بمن يملك السلاح، بل بمن يحدد ما نراه، متى نراه، وبأي جرعة. خوارزميته ليست مجرد كود، بل مشروب طاقة عالمي، يضخ الانتباه في شرايين المنصات، ويترك الدول تتساءل متأخرة: من يتحكم بالتركيبة؟ ومن يحدد الجرعة؟





