حدود المواجهة بين أمريكا ترمب وحلفائها… والانعطافة شرقاً نحو الصين وتأثيراتها على الدول النامية

د. عبد الرحيم جاموس

فبراير 1, 2026 - 09:46
حدود المواجهة بين أمريكا ترمب وحلفائها… والانعطافة شرقاً نحو الصين وتأثيراتها على الدول النامية

د. عبد الرحيم جاموس

لم تعد السياسة الخارجية الأمريكية في عهد دونالد ترمب تُقرأ ضمن سياق التحالفات التقليدية التي شكّلت العمود الفقري للنظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بل أصبحت أقرب إلى مشروع لإعادة تعريف التحالف ذاته.

فترمب لا ينظر إلى الشركاء بوصفهم ركائز استراتيجية دائمة، بل أطرافاً في معادلة كلفة ومنفعة، تُعاد صياغتها كلما تغيّرت الحسابات السياسية والاقتصادية.

في علاقته بالحلفاء التقليديين، من كندا إلى أوروبا وبريطانيا، لا يسعى ترمب إلى تفكيك التحالفات بقدر ما يعمل على تفريغها من مضمونها القيمي وتحويلها إلى علاقات مشروطة.

حلف شمال الأطلسي لم يعد في خطابه مظلة أمنية جماعية، بل فاتورة مالية ينبغي على الأوروبيين دفعها.

 والاتحاد الأوروبي يُعامَل كمنافس تجاري أكثر منه شريكاً سياسياً.

 حتى بريطانيا، التي طالما تمتعت بوضع “الحليف الخاص”، لم تنجُ من هذا المنطق، حيث باتت الامتيازات مرتبطة بالامتثال الاقتصادي والسياسي.

بهذا المعنى، المواجهة مع الحلفاء ليست صداماً مباشراً، بل عملية ضغط متدرّج لإعادة ضبط مواقعهم ضمن أولويات أمريكية ضيقة، تقوم على شعار “أمريكا أولاً” في صيغته الأكثر براغماتية وخشونة.

على النقيض، تمثّل الصين في رؤية ترمب الخصم الحقيقي والبنيوي، فالصراع معها يتجاوز الرسوم الجمركية ليطال جوهر النظام الاقتصادي العالمي: السيطرة على التكنولوجيا المتقدمة، الهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية، وقيادة الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

هنا تتبدّى الترمبية في أوضح صورها: لا أوهام اندماج صيني في النظام الليبرالي، ولا رهانات على تغيير السلوك عبر التجارة، بل مواجهة طويلة الأمد على النفوذ والريادة.

غير أن المفارقة الاستراتيجية تكمن في أن الضغط على الحلفاء الغربيين يُضعف الجبهة التي يفترض أن تكون موحّدة في مواجهة الصين. فإضعاف الثقة بين ضفتي الأطلسي يمنح بكين هامش حركة أوسع، ويُربك الحسابات الغربية بدل أن يوحّدها.

وهنا يظهر التناقض المركزي في السياسة الترمبية: تقليص الالتزامات الدولية من جهة، والانخراط في صراع عالمي واسع النطاق من جهة أخرى.

هذه التحولات لا تبقى محصورة في الدائرة الغربية–الصينية، بل تمتد آثارها إلى الدول النامية، وخاصة الدول العربية. فانتقال النظام الدولي من “نظام التحالفات” إلى “نظام الصفقات” يعني تراجع دور المؤسسات متعددة الأطراف، وتصاعد النزعات الحمائية، واضطراب قواعد التجارة والاستثمار.

الدول النامية، التي تعتمد على استقرار الأسواق العالمية وتدفق الاستثمارات والتجارة المفتوحة، تجد نفسها في بيئة أكثر تقلباً وأقل قابلية للتنبؤ.

بالنسبة للدول العربية، يتجلى الأثر في عدة مستويات.

 أولاً، الاقتصاديات الريعية المعتمدة على الطاقة تواجه مخاطر مزدوجة: تقلب الطلب العالمي نتيجة الصراعات التجارية، وتسارع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، في ظل غياب نظام دولي مستقر يدير هذا الانتقال بشكل منظم.

 ثانياً، الدول العربية غير النفطية تتأثر باضطراب سلاسل الإمداد العالمية وتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة في بيئة تتسم بعدم اليقين الجيوسياسي. ثالثاً، تراجع الالتزام الأمريكي بالنظام الدولي متعدد الأطراف يفتح المجال لقوى أخرى لملء الفراغ، ما يفرض على الدول العربية إعادة تموضع استراتيجي بين واشنطن وبكين وموسكو، وهو تموضع محفوف بالمخاطر إذا لم يُدار بحكمة.

في المحصلة، نحن أمام عالم يتحرك من منطق القواعد إلى منطق الصفقات، ومن الاستقرار النسبي إلى السيولة الاستراتيجية.

 حدود المواجهة بين أمريكا ترمب وحلفائها ليست حدود حرب، بل حدود ثقة تتآكل تدريجياً.

 أما المواجهة مع الصين، فهي صراع مفتوح على شكل النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين. وبين هذين المسارين، تجد الدول النامية نفسها في منطقة رمادية، حيث تتزايد المخاطر وتتقلص هوامش المناورة.

إنه عالم أقل يقيناً، وأكثر براغماتية، وأشد قسوة على الدول التي لا تمتلك أدوات القوة الاقتصادية والسياسية.

وفي هذا السياق، يصبح على الدول العربية ألا تكتفي بردّ الفعل، بل أن تطوّر استراتيجيات تنويع اقتصادي، وشراكات متعددة الاتجاهات، وسياسات خارجية مرنة تحمي مصالحها في زمن الاضطراب العالمي.

=‫================================

على النقيض، تمثّل الصين في رؤية ترمب الخصم الحقيقي والبنيوي، فالصراع معها يتجاوز الرسوم الجمركية ليطال جوهر النظام الاقتصادي العالمي: السيطرة على التكنولوجيا المتقدمة، الهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية، وقيادة الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.