ملفات إبستين: حدود المساءلة القانونية وتداعياتها الاستراتيجية على الولايات المتحدة وإسرائيل والقضية الفلسطينية واحتمالات التصعيد مع إيران

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

فبراير 1, 2026 - 09:06
ملفات إبستين: حدود المساءلة القانونية وتداعياتها الاستراتيجية على الولايات المتحدة وإسرائيل والقضية الفلسطينية واحتمالات التصعيد مع إيران

ملفات إبستين: حدود المساءلة القانونية وتداعياتها الاستراتيجية على الولايات المتحدة وإسرائيل والقضية الفلسطينية واحتمالات التصعيد مع إيران
بقلم: المحامي علي أبو حبلة

مقدمة
عاد ملف جيفري إبستين إلى واجهة المشهد السياسي والإعلامي الأمريكي في توقيت بالغ الحساسية، يتقاطع مع حالة استقطاب داخلي غير مسبوقة، وصعود الشعبوية السياسية، واستحقاقات انتخابية مصيرية، إلى جانب توترات إقليمية متفاقمة في الشرق الأوسط. ورغم كثافة ما يُتداول من تسريبات وادعاءات، فإن المقاربة المهنية تقتضي قراءة قانونية–سياسية متأنية، تميّز بين ما يرقى إلى مستوى المساءلة القضائية، وما يُوظَّف ضمن صراع النفوذ داخل النظام الأمريكي.
أولًا: الإطار القانوني وحدود المساءلة
من منظور قانوني بحت، يميّز النظام القضائي الأمريكي بوضوح بين: الأدلة الجنائية المعتمدة قضائيًا، وبين المذكرات الشخصية، أو الشهادات غير المكتملة، أو التسريبات الإعلامية.
فالذكر في وثائق غير مثبتة أمام القضاء لا يشكّل بحد ذاته دليل إدانة، ولا يكفي لفتح تحقيق جنائي مكتمل الأركان، فضلًا عن أنه لا يرقى إلى مستوى تفعيل مسار العزل الدستوري لأي رئيس حالي أو سابق.
وتبقى المساءلة، سواء الجنائية أو الدستورية، مشروطة بتوافر أدلة مباشرة، ورابط سببي واضح، واختصاص قضائي غير قابل للطعن.
ثانيًا: بين القانون والسياسة – لماذا يصعب الحسم؟
العزل في النظام الأمريكي مسار سياسي–دستوري بامتياز، تحكمه توازنات الكونغرس أكثر مما تحكمه الضغوط الإعلامية. وفي ظل الانقسام الحاد بين الحزبين، وغياب أدلة جنائية قاطعة منشورة رسميًا، فإن احتمالات العزل أو الإدانة القضائية تبقى محدودة.
وعليه، يبدو أن ملف إبستين يُستخدم أساسًا كأداة استنزاف سياسي، لا كمسار قانوني حاسم، في إطار صراع أوسع بين التيار الشعبوي والمؤسسة التقليدية داخل الدولة الأمريكية.
ثالثًا: البعد الاستخباراتي وتعقيد العدالة
حين تتقاطع قضايا جنائية مع ادعاءات تمس الأمن القومي أو أجهزة الاستخبارات، غالبًا ما تدخل التحقيقات في مسارات معقدة، قد تنتهي إلى:تقييد النشر،أو إغلاق الملفات دون أحكام نهائية،
أو تأجيل الحسم بدعوى المصلحة العليا للدولة.
تاريخيًا، تُظهر التجربة الأمريكية أن هذا النوع من القضايا نادرًا ما يصل إلى خواتيم قضائية واضحة، ما يعزّز الطابع السياسي للملف على حساب البعد القانوني.
رابعًا: التداعيات على إسرائيل – حماية قانونية وكلفة سياسية
قانونيًا، لا تُحمَّل الدول مسؤولية أفعال أفراد إلا إذا ثبت أنها ناتجة عن سياسة رسمية أو قرار حكومي. وبناءً عليه، تبقى إسرائيل بمنأى عن المساءلة القانونية المباشرة في هذا السياق.
غير أن التداعيات السياسية والأخلاقية مختلفة؛ إذ يؤدي استمرار ربط الدعم غير المشروط لإسرائيل بتيارات شعبوية مثيرة للجدل إلى: تآكل صورتها الدولية،وتعميق الانتقادات المتعلقة بازدواجية المعايير، وزيادة اعتمادها على شخصيات سياسية بدل الارتكاز إلى إجماع مؤسسي داخل الولايات المتحدة.
خامسًا: القضية الفلسطينية وفرصة إعادة بناء السردية القانونية
تكشف هذه الملفات مجددًا عن ازدواجية المعايير في التعاطي مع القانون الدولي وحقوق الإنسان. ففي الوقت الذي تُظهر فيه المؤسسات الأمريكية قدرًا من التساهل مع ملفات داخلية شائكة، يستمر التشدد السياسي والقانوني تجاه الحقوق الفلسطينية.
وهنا تبرز فرصة فلسطينية لتعزيز: الطعن في حيادية الوساطة الأمريكية، ودعم المسار القانوني أمام المحاكم الدولية،
وتكريس خطاب قانوني يربط بين فقدان المصداقية السياسية وانتهاك مبادئ العدالة الدولية.
سادسًا: العلاقة بالحرب على إيران – التصعيد كخيار تكتيكي
تاريخيًا، تميل الإدارات الأمريكية الواقعة تحت ضغط داخلي إلى اللجوء نحو تصعيد خارجي محسوب لصرف الانتباه وتوحيد الجبهة الداخلية. وتبقى إيران، في هذا السياق، الخصم القادر على توفير إجماع نسبي داخل المؤسسة السياسية الأمريكية.
مع ذلك، فإن أي مواجهة شاملة تظل مقيدة:
بدور الكونغرس الدستوري، وبكلفتها الإقليمية والدولية، ما يرجّح سيناريو الضغوط والعمليات المحدودة بدل الحرب المفتوحة.

ووفق كل ذلك تؤكد القراءة القانونية–الاستراتيجية أن ملفات إبستين، رغم خطورتها الأخلاقية والسياسية، لا تشكّل بذاتها أساسًا كافيًا للمساءلة الجنائية أو العزل الدستوري، لكنها تمثّل أداة ضغط في صراع داخلي عميق على طبيعة النظام الأمريكي واتجاهاته.
وفي المحصلة: الاستنزاف السياسي مرجّح، والحسم القانوني مستبعد، وإسرائيل محمية قانونيًا لكنها تواجه كلفة سياسية متزايدة، والقضية الفلسطينية تمتلك نافذة لتعزيز مسارها القانوني الدولي، والتصعيد مع إيران يبقى احتمالًا تكتيكيًا لاخيارًااستراتيجيًا حتميًا.