نحو مسار جديد للسلام

غيرشون باسكين

ديسمبر 28, 2025 - 08:38
نحو مسار جديد للسلام

طوال حياتي في إسرائيل، وعلى مدى السنوات السبع والأربعين الماضية، بحثتُ عن شركاء فلسطينيين يشاركونني القيم نفسها ورؤيتي للعالم، ووجدتُهم. وهذا يعني أنهم يؤمنون بأن على إسرائيل وفلسطين أن تجدا طريق السلام. وهذا الطريق إلى السلام يجب أن يقوم على الإيمان بأن على الأرض الممتدة بين النهر والبحر يعيش شعبان مرتبطان بعمق بالأرض نفسها – تاريخيًا ودينيًا.

ويجب أن تكون الرؤية المشتركة أن لكلا الشعبين حق تقرير المصير على هذه الأرض– أي دولتان لشعبين. والعنصر الحاسم بالنسبة لي في تحديد ما إذا كانت الشراكة حقيقية أم لا، هو الإيمان بأن التعاون عبر الحدود هو ما يصنع السلام، وليس الجدران العالية ولا الأسوار القوية.

لطالما راودتني شكوك تجاه أولئك الذين يروّجون لنموذج الفصل (نحن هنا وهم هناك)، لأنهم غير قادرين على تصور تحقيق السلام فعليًا، ولا يؤمنون به حقًا. فالساسة، حتى في صفوف اليسار، الذين يركزون على الفصل بين إسرائيل وفلسطين، والذين يشددون على الفصل ليس فقط بوصفه فصلًا سياسيًا، يخشون عرض تصور للسلام كواقع يستمر فيه الإسرائيليون والفلسطينيون بالتفاعل والتعاون – لأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يكون شيئًا آخر غير ذلك.

يقول معظم الإسرائيليين والفلسطينيين: «أنا أريد السلام» – لكنهم لا يعتقدون أن الطرف الآخر يريده. وبصورة موضوعية، لدى الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء أدلة كافية لتبرير الادعاء بأن الطرف الآخر لا يريد السلام. وغالبًا ما يكون من الصعب العثور على أشخاص، وخصوصًا قادة، على الجانبين، يُظهرون التزامًا حقيقيًا بالسلام الفعلي مع الطرف الآخر. هؤلاء موجودون، لكنهم ليسوا المهيمنين، ونادرًا ما يتحدثون عن سلام حقيقي.

في نهاية نيسان/أبريل 2026، من المقرر أن يُجري الفلسطينيون انتخابات محلية في المدن والبلدات والقرى في مختلف أنحاء فلسطين. وخلال عام واحد من انتهاء الحرب، من المفترض أن تُجرى انتخابات وطنية للرئاسة والبرلمان. وسيكون هذا أول اختبار من نوعه لمعرفة إلى أين وصلت مواقف الرأي العام الفلسطيني. وكانت آخر انتخابات فلسطينية قد أُجريت عام 2006.

كيف سيكون رد فعل الإسرائيليين (والفلسطينيين أيضًا) لو وُجد حزب سياسي فلسطيني قيادي يحمل البرنامج التالي؟

 

البرنامج السياسي

يُؤسَّس الحزب على قناعة راسخة بأن الشعب الفلسطيني يستحق نظامًا سياسيًا ديمقراطيًا، عادلًا، وحديثًا – نظامًا يخدم المواطنين لا الفصائل، ويحمي الحريات، ويفتح مسارًا واقعيًا نحو الاستقلال والازدهار والسلام.

يتصور الحزب قيام دولة فلسطينية مستقلة تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل، على أساس تعاون سياسي واقتصادي ودبلوماسي وأمني كامل. ونؤمن بأن الاستقرار والكرامة المستدامين لكلا الشعبين لا يمكن تحقيقهما إلا من خلال الشراكة، والاعتراف المتبادل، والمسؤولية المشتركة.

الحكم الديمقراطي والحريات المدنية

يلتزم الحزب ببناء ديمقراطية برلمانية ليبرالية قائمة على الفصل بين السلطات، وسيادة القانون، وسمو المؤسسات المنتخبة. وندعم حكومة خاضعة للمساءلة، وقضاءً مستقلًا، وإدارة عامة شفافة.

يدافع الحزب عن الحقوق والحريات الفردية، بما في ذلك حرية التعبير، وإعلام حر ومستقل، وتعددية سياسية، وحق الاحتجاج السلمي. فالمنصب العام مسؤولية وليس امتيازًا، ويجب أن تقوم الفرص على الكفاءة والاستحقاق – لا على الولاء أو المحسوبية.

وتُعد النساء والشباب الفلسطينيون محورًا أساسيًا في رؤيتنا – لا بوصفهم رموزًا، بل شركاء متساوين في القيادة والتمثيل وصنع القرار.

العدالة الاجتماعية والتنمية

يؤمن الحزب بأن الحرية السياسية يجب أن تترافق مع الفرص الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. وندعو إلى تنمية اقتصادية شاملة، وإتاحة متساوية للتعليم والعمل، وتوزيع عادل للموارد العامة. فالدولة الفلسطينية القوية يجب أن تكون منتِجة، مبتكرة، وقادرة على توفير الكرامة والفرص لجميع مواطنيها.

ركائز الدولة الفلسطينية – الدالات الأربع

يؤمن الحزب بأن قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة ومسؤولة يجب أن يستند إلى أربع ركائز أساسية (الدالات الأربع):

•       منزوعة السلاح: ضمان الأمن عبر مؤسسات مهنية، وسيادة القانون، والتعاون الإقليمي، لا عبر الميليشيات أو الفصائل المسلحة.

•       منزوعة التطرف: رفض التطرف والتحريض والعنف، وتعزيز التسامح، والتربية المدنية، والمشاركة السياسية السلمية.

•       ديمقراطية: تُحكم بمؤسسات منتخبة، وقيادة خاضعة للمساءلة، وضمان الحقوق المدنية.

•       متطورة: دولة متينة اقتصاديًا، مندمجة في الأسواق الإقليمية والعالمية، وقادرة على تحقيق الازدهار لشعبها.

التسوية السياسية وإطار الدولتين

يدعم الحزب حل الدولتين عبر مفاوضات، على أساس حدود عام 1967، مع تبادل أراضٍ متفق عليه بنسبة تقارب 5%. ويتيح هذا الإطار ما يلي:

•       تواصل جغرافي بين غزة والضفة الغربية، وضم نحو 80% من المستوطنات اليهودية الإسرائيلية إلى إسرائيل، في إطار اتفاق الوضع النهائي.

•       تكون القدس عاصمة الدولتين: الأحياء الفلسطينية عاصمة لدولة فلسطين، والأحياء اليهودية عاصمة لدولة إسرائيل.

•       ألا تخضع البلدة القديمة في القدس لسيادة حصرية، بل تُدار من قبل لجنة دولية خاصة تضم فلسطين وإسرائيل والأردن والسعودية والولايات المتحدة، بما يضمن حرية العبادة، والوصول، وحماية الأماكن المقدسة.

اللاجئون والمصالحة

يدعم الحزب إعادة تعريف حق العودة باعتباره حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى دولة فلسطين، إلى جانب: تعويض كامل، وخيارات اندماج طوعية في الدولة الفلسطينية أو، في حالات متفق عليها، في دول ثالثة. ويهدف هذا النهج إلى تحقيق العدالة والكرامة والواقعية – دون إدامة الصراع.

الاندماج الإقليمي والسلام

إن الشراكة الفلسطينية-الإسرائيلية التي يتصورها الحزب هي جزء من مستقبل إقليمي أوسع: اندماج كامل لإسرائيل في الشرق الأوسط، مع علاقات دبلوماسية واقتصادية شاملة مع العالمين العربي والإسلامي، إلى جانب دولة فلسطينية ذات سيادة وديمقراطية.

يرفض الحزب بشكل قاطع العنف كأداة سياسية. ونؤمن بأن الحوار والإقناع والدبلوماسية – لا الإكراه ولا الكفاح المسلح – هي الوسائل الشرعية الوحيدة لتحقيق الأهداف الوطنية.

اعتدالنا ليس ضعفًا؛ بل مسؤولية استراتيجية. ورؤيتنا ليست نظرية مجردة؛ بل عملية، متوازنة، وقابلة للتحقيق.

وُجد الحزب ليقدّم للفلسطينيين بديلًا سياسيًا موثوقًا – بديلًا يعيد الثقة، ويجدّد القيادة، ويفتح طريقًا حقيقيًا نحو الدولة والسلام والازدهار الإقليمي المشترك.

 

مذهل وصادق!

يا له من برنامج مذهل. وهو ليس خيالًا. فهذا هو بالفعل البرنامج السياسي لحزب فلسطيني جديد. وسيشارك هذا الحزب في الانتخابات المحلية والوطنية في فلسطين خلال عام 2026. وسيُعلن قريبًا عن تأسيسه واستراتيجيته الانتخابية.

إن هذا الحزب السياسي الفلسطيني يشكّل تحديًا لكل ما عرفناه حتى الآن. وهو تحدٍّ للأحزاب السياسية الفلسطينية القائمة التي هيمنت على الحياة السياسية الفلسطينية لعقود. هذا الحزب الجديد هو الرؤية الجديدة، والأمل الجديد لفلسطين، لكنه أيضًا أمل لإسرائيل. فلنرَ الأحزاب السياسية الإسرائيلية تعتمد برنامجًا سياسيًا موازيًا. وعندما يحدث ذلك، سنكون أكثر قدرة على تصور إمكانية السلام الحقيقي.

 

* مدير شؤون الشرق الأوسط في منظمة المجتمعات الدولية، والرئيس المشارك لتحالف الدولتين.