برد الزنازين… وليلٌ لا يلين

د. منى أبو حمدية: أكاديمية وباحثة

ديسمبر 16, 2025 - 09:25
برد الزنازين… وليلٌ لا يلين

د. منى أبو حمدية: أكاديمية وباحثة

في عمق السجون، حيث لا يصل النهار إلا محجوباً، وحيث الليل يُلقي بثقله على الأجساد كأنه جبال من صقيع، يعيش المعتقلون فصلاً من البرد لا يشبه أي شتاء عرفه العالم. هنا لا تُعدّ الدرجات الحرارية، بل تُعدّ أنفاس الصبر، وتُحصى دقات القلوب وهي تقاوم حرماناً يُدركه كل من عاش لحظة برد بلا غطاء… فكيف إن امتدّت هذه اللحظة لأيام وشهور وسنوات؟
داخل هذه الجدران السميكة، ليست المعاناة تفصيلاً عابراً، بل هي قصة تُكتب على جلود المعتقلين، وتُروى بنبضٍ يتجمّد كل ليلة.
الأغطية التي حُرِموا منها لم تكن شيئاً زائداً؛ كانت الجدار الأخير بين إنسان وروح تتشبّث بالحياة.


"ليلٌ يزحف على العظام":

في الزنازين الضيّقة، ينحدر الليل كجدار من الثلج، لا رحمة فيه ولا فجوة للهروب منه. كل دقيقةٍ فيه تشبه امتحاناً للقدرة على الصمود. البرد ليس مجرد حالة طقس؛ إنه حضور ثقيل يضغط على النفس، يسرق النوم، ويُبقي الجسد يقظاً رغم إرهاقه، كأن كل خلية فيه ترفع راية استغاثة لا يسمعها أحد.
العتمة تتحوّل إلى صقيعٍ آخر، والجدار يصبح صقيعاً ثانياً، والهواء نفسه يتحوّل إلى شيء يلسع الوجه والذاكرة.
ورغم كل ذلك، ينهض المعتقل في كل فجرٍ مكسورا، وفي عينيه جمر صغير لا ينطفئ: جمر الصمود.


"أجساد تبحث عن ستر… وقلوب تبحث عن إنصاف"

الحرمان من غطاء ليس حرماناً من قطعة تُدفئ الجسد، بل من حق إنساني أصيل. إنه انتزاع للأمان، وامتحان لقوة الروح أمام موجات البرد التي لا تتوقف. ومع ذلك، يبقى القلب في الداخل أقوى من الجسد، يرفض الاستسلام، ويتمسك بإيمانه بأن العالم لن يصمت إلى الأبد.
الجسد يرتجف، نعم…
لكن القلب يقاوم.
يبحث عن إنصاف، عن ضمير عالمي، عن صوت يطرق الأسوار ويقول:
لا يجوز أن يبقى الإنسان وحيداً أمام هذا البرد.

مناشدة إنسانية لا تنتظر :

أمام هذا المشهد القاسي، حيث يمتد البرد كظلّ ثقيل فوق أجساد المعتقلين، نرفع هذا النداء باسم الإنسانية قبل أي شيء آخر:
إلى الصليب الأحمر الدولي…
إلى منظمات حقوق الإنسان…
إلى كل الهيئات الدولية والحقوقية…
إن ما يجري داخل سجون الاحتلال من حرمان متعمّد للأغطية والملابس الشتوية، هو انتهاك واضح للمعايير الإنسانية ولاتفاقيات تحمي حقّ الإنسان في الحد الأدنى من الكرامة.
نطالبكم بزيارة عاجلة، ورقابة جادّة، وضغط فعليّ يضمن حماية المعتقلين من هذا الإهمال القاسي.
صوتكم ضرورة…
وتدخّلكم واجب…
وحماية حياة المعتقلين مسؤولية لا يمكن السكوت عنها.
فالشتاء يشتدّ خلف القضبان…
لكن إنسانيتنا يجب ألا تُجمدها أطراف هذا الصقيع.