عملية الخليل بين الحسابات الانتخابية الإسرائيلية والمصالح الوطنية الفلسطينية
قراءة سياسية واستراتيجية في ضوء تحديات المرحلة ومتطلبات الصمود
عملية الخليل بين الحسابات الانتخابية الإسرائيلية والمصالح الوطنية الفلسطينية
قراءة سياسية واستراتيجية في ضوء تحديات المرحلة ومتطلبات الصمود
بقلم: المحامي علي أبو حبلة – باحث في القانون الدولي
تأتي حادثة إطلاق النار في منطقة فرش الهوى بمدينة الخليل، وفق ما تداولته تقارير إعلامية، في توقيت سياسي وأمني بالغ الحساسية، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية وتصاعد الجدل الداخلي بشأن السياسات الأمنية ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين. وفي ظل هذه الظروف، تبرز أهمية قراءة المشهد بموضوعية وواقعية، بعيدًا عن التوظيف الانتخابي والمناكفات السياسية، سواء داخل إسرائيل أو على الساحة الفلسطينية.
إن التعامل المسؤول مع الأحداث يقتضي التمييز بين الوقائع المؤكدة والتقديرات السياسية، وعدم التسرع في إطلاق الأحكام قبل استكمال التحقيقات وتوافر المعلومات الموثوقة. فالأحداث الميدانية لا تنفصل عن سياقها السياسي والأمني، كما أن تداعياتها قد تتجاوز موقع الحادثة لتنعكس على حياة المدنيين الفلسطينيين، وأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، وحركة تنقلهم، وفرصهم في العيش بأمن وكرامة.
الحسابات الانتخابية الإسرائيلية ومخاطر التصعيد
تحتل المسائل الأمنية موقعًا متقدمًا في الخطاب السياسي الإسرائيلي، ولا سيما خلال الحملات الانتخابية، حيث تتبادل الأحزاب والقيادات الاتهامات بشأن المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية، وتطرح مقاربات متباينة للتعامل مع الفلسطينيين. وقد يؤدي التنافس الحزبي إلى تصعيد الخطاب أو الدفع نحو إجراءات أكثر تشددًا، دون أن يعني ذلك بالضرورة معالجة الأسباب السياسية العميقة للنزاع.
ومن الضروري التمييز بين الإجراءات الأمنية التي تستند إلى ضرورة محددة وتراعي القانون، وبين التدابير الواسعة التي تلقي بأعبائها على السكان المدنيين بصورة جماعية. فالإغلاقات والعقوبات الجماعية والقيود التي تعطل الحياة اليومية لا توفر، بمفردها، حلولًا مستدامة، بل قد تزيد من الاحتقان وتعمق انعدام الثقة وتوسع دائرة المعاناة.
إن أمن المنطقة واستقرارها لا يمكن أن يتحققا بمعزل عن معالجة جذور الصراع، واحترام الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ووقف الإجراءات الأحادية التي تقوض فرص التسوية السياسية. كما أن تحويل الأحداث الميدانية إلى أدوات في المنافسة الانتخابية لا يعفي صناع القرار من مسؤولية مراجعة السياسات وتقييم آثارها على المدى البعيد.
المصالح العليا للشعب الفلسطيني فوق الحسابات الفصائلية
على الصعيد الفلسطيني، تفرض المرحلة الراهنة ضرورة مراجعة الأولويات الوطنية، والانطلاق من قراءة واقعية لما يعيشه الشعب الفلسطيني من تحديات متراكمة، تشمل استمرار الاحتلال، وتوسع الاستيطان، والقيود المفروضة على الحركة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتداعيات الحرب والدمار والنزوح، فضلًا عن آثار الانقسام السياسي على وحدة القرار الوطني وفاعلية المؤسسات.
وفي مواجهة هذه التحديات، ينبغي أن تكون المصالح العليا للشعب الفلسطيني مقدمة على أي حسابات فصائلية ضيقة أو اعتبارات تتعلق بالنفوذ والمكاسب السياسية. فالقضية الوطنية أكبر من أي فصيل، وحقوق الشعب الفلسطيني ليست ملكًا لجهة بعينها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب شراكة حقيقية، وتوافقًا على الأولويات، وتغليب المصلحة العامة على المصالح التنظيمية.
ولا يمكن بناء استراتيجية وطنية فاعلة من خلال تبادل الاتهامات أو الاكتفاء بالشعارات والبيانات. المطلوب هو حوار مسؤول يضع حماية الإنسان الفلسطيني، وصون الأرض والهوية، وتعزيز الصمود، وتخفيف الأعباء المعيشية، في صدارة الاهتمام، ويعيد الاعتبار لوحدة الموقف والمؤسسات الوطنية. فالاختلاف في الرؤى والبرامج حق سياسي، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لتعطيل العمل الوطني أو إضعاف قدرة المجتمع على مواجهة التحديات.
وتقتضي المسؤولية الوطنية كذلك قراءة الأحداث بعيدًا عن الانفعال أو توظيفها لمصلحة هذا الطرف أو ذاك. فالمعيار ليس مدى قدرة أي جهة على تحقيق مكسب إعلامي أو سياسي آني، وإنما مدى إسهام مواقفها في حماية الشعب الفلسطيني، وصون حقوقه، وتعزيز وحدته، وتوفير مقومات بقائه وصموده على أرضه.
الصمود استراتيجية وطنية متكاملة
إن صمود الشعب الفلسطيني لا يقوم على الخطاب السياسي وحده، بل يحتاج إلى سياسات عملية تحمي الإنسان وتعزز قدرته على البقاء والاستمرار. ويشمل ذلك دعم الأسر المتضررة والنازحة، وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية، وحماية مصادر الرزق، ومساندة الفئات الأكثر تضررًا، وتعزيز حضور المؤسسات الوطنية في خدمة المواطنين، إلى جانب توثيق الانتهاكات بالوسائل المهنية والقانونية وتفعيل الجهد الدبلوماسي على المستويين العربي والدولي.
كما أن حماية النسيج الاجتماعي، ومواجهة الفقر والبطالة، وترسيخ سيادة القانون، واحترام الحريات العامة، وتعزيز استقلال القضاء والمساءلة، تمثل جميعها ركائز أساسية لصمود وطني مستدام. فالمجتمع المتماسك والمؤسسات الفاعلة والقرار المسؤول تشكل عناصر قوة لا تقل أهمية عن الحضور السياسي والدبلوماسي.
ومن هنا، تبرز ضرورة استعادة الوحدة الوطنية على أساس برنامج سياسي واضح، وتطوير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وتعزيز المشاركة والتمثيل، والعمل على إنهاء الانقسام بما يضمن وحدة الأرض والشعب والقرار الوطني، ويحفظ حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم ومساءلة مؤسساتهم وفق الأطر القانونية والديمقراطية.
القانون الدولي والمسؤولية السياسية
تفرض قواعد القانون الدولي الإنساني حماية المدنيين، ومراعاة القيود القانونية على استخدام القوة، وتحظر العقوبات الجماعية. وتنص المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة على حظر معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها شخصيًا، كما تحظر العقوبات الجماعية والتدابير التهديدية أو الإرهابية. ويظل تحديد المسؤوليات القانونية في أي واقعة مرتبطًا بالأدلة والتحقيقات المختصة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والتوظيف السياسي.
وفي هذا السياق، فإن حماية المدنيين الفلسطينيين، ورفض التدابير التي تمس حقوقهم الأساسية بصورة جماعية، وتوثيق الوقائع وفق معايير مهنية، تمثل مسارات ضرورية للدفاع عن الحقوق. كما أن أي معالجة جادة للصراع لا يمكن أن تتجاهل حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وضرورة إنهاء الاحتلال، وإتاحة المجال أمام تسوية سياسية عادلة تستند إلى القانون الدولي والقرارات الدولية ذات الصلة.
خاتمة
إن المرحلة الراهنة تتطلب وضوحًا في الرؤية، ومسؤولية في الموقف، وتغليبًا للمصلحة الوطنية العليا على الاعتبارات الفصائلية الضيقة. فالشعب الفلسطيني الذي يواجه تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية متشابكة يحتاج إلى قيادة موحدة، ومؤسسات فاعلة، وبرنامج وطني واقعي يجمع بين حماية المجتمع، وتعزيز الصمود، والتحرك السياسي والدبلوماسي والقانوني.
وفي مواجهة السياسات الإسرائيلية التي تدفع باتجاه توسيع الاستيطان وفرض الوقائع الأحادية وتقويض فرص الحل السياسي، لا يكون الرد بتعميق الانقسام أو تبادل الاتهامات، بل بتعزيز الوحدة الوطنية، وترتيب الأولويات، وحشد الطاقات، وصون حقوق الشعب الفلسطيني.
فالمسؤولية الوطنية الحقيقية تُقاس بقدرة القوى السياسية على حماية الناس، وتخفيف معاناتهم، والحفاظ على وحدتهم، وتقديم مصالحهم العليا على كل اعتبار آخر. وتبقى الغاية الجامعة هي إنهاء الاحتلال، وتحقيق الحرية والاستقلال، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، بما يصون الحقوق الوطنية المشروعة ويهيئ الطريق أمام سلام عادل ودائم عبر الدفع بمسار التسويه على مرجعية قرارات الشرعية الدولية بعيدا عن الصراع والحرب وما تخلفه من كوارث على الشعوب
المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي



