الملك عبد الله الثاني وهجوم كنيسة الكرك: الوحدة الوطنية خط أحمر وسيادة القانون أساس المواجهة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
الملك عبد الله الثاني وهجوم كنيسة الكرك: الوحدة الوطنية خط أحمر وسيادة القانون أساس المواجهة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي ومحلل سياسي
تفرض الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة في محافظة الكرك وقفة وطنية وسياسية تتجاوز حدود الإدانة والاستنكار، لتؤكد أن أمن الأردن واستقراره ووحدة نسيجه الاجتماعي ثوابت لا تقبل المساومة. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الملك عبد الله الثاني لتضع المسألة في إطارها الوطني والاستراتيجي، من خلال التشديد على مواجهة العمل الإرهابي بأشد العقوبات، والتأكيد أن محاولات شق صف الأردنيين لن تنجح أمام صلابتهم ووحدتهم.
وقال جلالة الملك: «ومن توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا»، مؤكداً أن الأردنيين، من شمال الوطن إلى جنوبه، شركاء في الأرض والموقف، وأن دم الأردني غالٍ، وأن الدولة ستواجه كل من يتطاول على أمن البلاد بحزم.
إن هذه التصريحات تحمل دلالات تتجاوز الرد على جريمة خطيرة؛ فهي تؤكد أن حماية المواطنين، وصون السلم الأهلي، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، تمثل ركائز أساسية في معادلة الأمن الوطني الأردني.
الوحدة الوطنية في مواجهة الإرهاب
إن استهداف المواطنين في محيط دار عبادة لا يمس الضحايا وذويهم وحدهم، بل يطال المجتمع الأردني بأكمله، ويستهدف حق الإنسان في الحياة والأمن والعبادة والعيش بكرامة. فالمساجد والكنائس ليست مجرد أماكن للعبادة، وإنما تعبير عن تاريخ المجتمع وتنوعه الديني والثقافي، وعن حق أبنائه في ممارسة شعائرهم ضمن دولة تحمي الجميع على قدم المساواة.
لقد شكّل التآخي الإسلامي المسيحي عبر التاريخ الأردني ركيزة من ركائز الهوية الوطنية، وقام على الشراكة في بناء الدولة وتحمل المسؤولية الوطنية. ومن هنا، فإن أي اعتداء يستهدف مواطنين في محيط كنيسة أو مسجد هو اعتداء على أمن الأردنيين جميعاً، ولا يجوز اختزاله في استهداف مكوّن ديني بعينه.
وتكتسب الرسالة الملكية أهميتها من تأكيدها أن وحدة الأردنيين ليست مجرد موقف عاطفي في مواجهة حادثة طارئة، بل مبدأ راسخ في بنية الدولة والمجتمع. فالإرهاب يسعى إلى نشر الخوف وتقويض الثقة وإثارة الانقسامات، بينما تكون المواجهة الأكثر فاعلية بتعزيز المواطنة وسيادة القانون ورفض خطاب الكراهية والتحريض.
الحزم الأمني وسيادة القانون
إن تأكيد الملك مواجهة الجريمة بأشد العقوبات يعكس مسؤولية الدولة في حماية أرواح المواطنين وصون أمنهم واستقرارهم. غير أن الحزم الحقيقي لا يقتصر على الملاحقة الأمنية، بل يتطلب كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، ومحاسبة كل من تثبت إدانته أمام القضاء المختص، مع ضمانات المحاكمة العادلة.
فلا مكان للتهاون مع الإرهاب، كما لا يجوز أن تتحول مشاعر الغضب والحزن إلى أحكام مسبقة أو اتهامات غير مثبتة. إن قوة الدولة تقاس بقدرتها على فرض القانون وتحقيق العدالة، ومنع تكرار الجرائم، والحفاظ على ثقة المواطنين بمؤسساتهم.
ومن الضروري في هذه المرحلة إفساح المجال أمام الأجهزة المختصة للقيام بواجبها، والاعتماد على البيانات الرسمية، والابتعاد عن الشائعات والتكهنات بشأن دوافع الجريمة أو الجهات المسؤولة عنها، إلى حين إعلان النتائج التي تسمح بها الإجراءات القانونية.
الأمن الوطني مسؤولية مشتركة
إن الحفاظ على أمن الأردن لا يقتصر على دور المؤسسات الأمنية، على أهميته، بل يستند كذلك إلى مسؤولية المجتمع ومؤسساته التربوية والدينية والإعلامية. فمواجهة التطرف تتطلب عملاً متكاملاً يعالج خطاب الكراهية والتحريض، ويعزز ثقافة الحوار واحترام الاختلاف، ويرسخ لدى الأجيال أن المواطنة والحقوق والواجبات المشتركة هي أساس العلاقة بين أبناء الوطن.
كما أن الإعلام مطالب بالتحلي بالمسؤولية المهنية، وعدم تداول معلومات غير موثقة أو محتوى قد يثير الخوف أو يؤثر في سير العدالة. وفي أوقات الأزمات، تصبح الكلمة مسؤولية وطنية، ويغدو الالتزام بالمصادر الرسمية واحترام الإجراءات القضائية جزءاً من حماية المجتمع.
وتقتضي المسؤولية الوطنية أيضاً رفض أي محاولة لاستغلال الجريمة لإثارة النعرات الدينية أو تحميل جماعة بأكملها مسؤولية أفعال أفراد. فالمحاسبة مسؤولية القضاء، والتعميم ظلم لا يخدم العدالة ولا يحمي الأمن.
الأردن أقوى بتماسك جبهته الداخلية
في محيط إقليمي تتعدد فيه الأزمات والتحديات الأمنية والسياسية، يشكل استقرار الأردن وتماسك مجتمعه مصلحة وطنية عليا. لكن حماية هذا الاستقرار لا تتحقق بالخوف أو الانقسام، وإنما بتعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وترسيخ العدالة، وضمان المساواة أمام القانون.
ومن هنا، فإن الموقف الملكي يضع أمام الجميع مسؤولية ترجمة التضامن الوطني إلى ممارسة يومية، من خلال احترام التنوع الديني، وحماية دور العبادة، ومواجهة التطرف فكرياً واجتماعياً، إلى جانب الحزم الأمني والقضائي.
إن الأردن الذي يجمع أبناءه تاريخ مشترك ومصير واحد قادر على مواجهة التحديات حين تتقدم المصلحة الوطنية على كل اعتبار، وحين يدرك الجميع أن أمن أي مواطن وكرامته جزء لا يتجزأ من أمن الوطن وكرامته.
خاتمة
إن تصريحات الملك عبد الله الثاني بشأن جريمة كنيسة الكرك تؤكد بوضوح أن أمن الأردنيين ووحدتهم الوطنية وسيادة القانون ثوابت لا تقبل المساومة. والواجب الوطني اليوم هو الوقوف إلى جانب أسر الضحايا، والتضامن مع المصابين، ودعم المؤسسات المختصة في أداء مهامها، وانتظار نتائج التحقيق وفق الأصول القانونية.
فلا يجوز أن تنتصر الجريمة على قيم المجتمع، ولا أن يتحول الألم إلى انقسام، ولا أن تجد دعوات الكراهية منفذاً إلى النسيج الوطني.
الأردن وطن لجميع أبنائه، والمسلمون والمسيحيون شركاء في تاريخه وحاضره ومستقبله. والوحدة الوطنية ليست شعاراً يُرفع في أوقات الأزمات، بل ضمانة الاستقرار وقاعدة الدولة الراسخة. أما الإرهاب، فلا يُواجَه إلا بدولة القانون والعدالة، وبمجتمع متماسك يرفض الفتنة ويحمي كرامة الإنسان وحقه في الحياة والأمن.
المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي ومحلل سياسي



