من مخيمات الشمال إلى الخليل ومسافر يطا والأغوار: هل تنتظر السلطة الفلسطينية مفاجأة نتنياهو أم تتحرك لمنع فرض الأمر الواقع؟

المحامي علي أبو حبلة – باحث في القانون الدولي ومحلل سياسي

أكتوبر 25, 2026 - 09:17
من مخيمات الشمال إلى الخليل ومسافر يطا والأغوار: هل تنتظر السلطة الفلسطينية مفاجأة نتنياهو أم تتحرك لمنع فرض الأمر الواقع؟

من مخيمات الشمال إلى الخليل ومسافر يطا والأغوار: هل تنتظر السلطة الفلسطينية مفاجأة نتنياهو أم تتحرك لمنع فرض الأمر الواقع؟
المحامي علي أبو حبلة – باحث في القانون الدولي ومحلل سياسي
تواجه القضية الفلسطينية مرحلة بالغة الحساسية في ظل تصاعد عمليات الهدم والتدمير والتهجير في مناطق متعددة من الضفة الغربية، من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، إلى مسافر يطا والأغوار، وصولاً إلى ما تشهده مدينة الخليل من إخلاء للسكان وهدم للمنازل والمنشآت. وفي موازاة هذه التطورات، تبرز تساؤلات حول تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن «مفاجأة كبيرة» تنتظر السلطة الفلسطينية، وما قد تحمله المرحلة المقبلة من ترتيبات سياسية وإدارية تستهدف مستقبل السلطة ووحدة الأرض والقرار الفلسطيني.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل سُدّت المنافذ أمام القيادة الفلسطينية، أم أن الخيارات السياسية والدبلوماسية والقانونية لا تزال متاحة، لكنها تحتاج إلى استراتيجية استباقية تتجاوز بيانات الشجب والاستنكار، وتمنع تحويل الوقائع المفروضة على الأرض إلى معادلة سياسية دائمة؟
التهجير وتغيير الواقع على الأرض
تشكل التطورات في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وما رافقها من نزوح للسكان وتدمير للمنازل والبنية التحتية، مصدر قلق بالغ بشأن مستقبل التجمعات الفلسطينية وقدرة سكانها على العودة إلى منازلهم. كما تواجه التجمعات في مسافر يطا والأغوار ضغوطاً متزايدة ترتبط بهدم المنشآت والقيود على الوصول إلى الأراضي ومصادر المياه وسبل العيش.
وفي الخليل، تثير التقارير المتعلقة بإجلاء السكان وهدم المنازل والمنشآت في مناطق من المدينة مخاوف بشأن اتساع نطاق الإجراءات التي تهدد الاستقرار الاجتماعي والوجود الفلسطيني. وتستوجب هذه الوقائع توثيقاً مستقلاً ودقيقاً، وتقييماً قانونياً لكل حالة، ولا سيما ما يتعلق بظروف إخلاء السكان، ومبررات الهدم، وإمكانية العودة، ومدى الالتزام بقواعد حماية المدنيين.
ولا تكمن الخطورة في الأضرار المادية وحدها، بل في احتمال تراكم هذه الإجراءات لتغيير الواقع السكاني والجغرافي، وإضعاف التواصل بين التجمعات الفلسطينية، وتقويض فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وقابلة للحياة.
ومن الضروري هنا التمييز بين الإخلاء الذي قد تجيزه قواعد القانون الدولي الإنساني في ظروف استثنائية ومحددة، وبين النقل القسري المحظور. فالمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر النقل القسري الفردي أو الجماعي للأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة، مع استثناءات ضيقة تخضع لشروط صارمة. ويقتضي تحديد المسؤولية القانونية فحص الوقائع والظروف والأدلة، دون الاكتفاء بالتوصيفات السياسية العامة.
مفاجأة نتنياهو: ما السيناريوهات المحتملة؟
إن الحديث عن «مفاجأة» تنتظر السلطة الفلسطينية يفتح الباب أمام تساؤلات استراتيجية مشروعة، لكنه لا يكفي وحده للجزم بطبيعة الخطوة الإسرائيلية المقبلة أو أهدافها النهائية. والمطلوب هو قراءة التصريحات في سياق السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالاستيطان والسيطرة على الأرض، والضغوط المالية والميدانية على السلطة، والجدل الدائر حول مستقبل الحكم الفلسطيني.
ومن السيناريوهات التي تستحق الدراسة احتمال فرض ترتيبات إدارية محلية متفاوتة في التجمعات الفلسطينية، بما يؤدي إلى تجزئة إدارة الشؤون المدنية والخدماتية، مع استمرار السيطرة الإسرائيلية على مفاصل أساسية تتعلق بالأرض والموارد والحركة والأمن. ولا يعني طرح هذا السيناريو أن قراراً نهائياً قد اتُّخذ بشأنه، لكنه يفرض على القيادة الفلسطينية الاستعداد لمخاطر إعادة تشكيل الواقع السياسي والإداري من جانب واحد.
وهنا ينبغي التمييز بين اللامركزية الإدارية بوصفها أداة لتحسين الخدمات وتوسيع صلاحيات الهيئات المحلية ضمن نظام وطني موحد، وبين استخدامها المحتمل لتفكيك المرجعية الوطنية أو تحويل التجمعات الفلسطينية إلى وحدات منفصلة، تُدار شؤونها اليومية من دون أفق سياسي ينتهي إلى السيادة وتقرير المصير.
إن السؤال الأخطر هو: هل تنتظر القيادة الفلسطينية اتضاح «مفاجأة نتنياهو» بعد تنفيذها، أم تبادر إلى تحرك سياسي وقانوني يمنع فرض معادلات جديدة على الأرض؟
فالمطلوب ليس رفض تطوير الإدارة المحلية أو تحسين كفاءة المؤسسات، بل ضمان ألا يتحول أي ترتيب إداري إلى بديل عن وحدة الأرض والمؤسسات والتمثيل الوطني، أو إلى وسيلة لتجاوز منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، أو لتكريس واقع يحرم الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة.
الجامعة العربية: من بيانات التضامن إلى خطة عمل
لا يمكن تجاهل أهمية المواقف العربية الداعمة للحقوق الفلسطينية، لكن التحدي يكمن في تحويل هذه المواقف إلى إجراءات عملية قابلة للمتابعة والقياس. فاستمرار صدور بيانات الإدانة، من دون آليات تنفيذ أو التزامات واضحة، يطرح تساؤلات حول فاعلية العمل العربي المشترك في مواجهة التطورات المتسارعة.
والمطلوب تحرك عربي على مستوى وزراء الخارجية، يتضمن تأمين شبكة أمان مالية لدعم الموازنة الفلسطينية والمجتمعات المهددة بالتهجير، وتشكيل لجنة دبلوماسية للتحرك في العواصم المؤثرة، وتنسيق المواقف داخل الأمم المتحدة، ووضع جدول زمني لمتابعة النتائج.
كما ينبغي أن يشمل التحرك دعم برامج الإغاثة وإعادة الإعمار، وتعزيز صمود السكان في القدس والخليل ومخيمات الشمال ومسافر يطا والأغوار، وتوفير المساندة القانونية والإنسانية للمجتمعات المتضررة.
إن قيمة الموقف العربي لا تُقاس بعدد البيانات الصادرة، بل بمدى قدرته على حماية السكان، وتخفيف معاناتهم، ومنع تكريس الوقائع التي تقوض فرص الحل السياسي.
الاتحاد الأوروبي: توظيف أدوات التأثير
يمتلك الاتحاد الأوروبي أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية مؤثرة، لكن تباين مواقف الدول الأعضاء يحدّ من إمكانية تبني إجراءات موحدة في بعض الملفات. ومع ذلك، فإن هذا التباين لا ينبغي أن يمنع القيادة الفلسطينية من التحرك المنظم مع مؤسسات الاتحاد والعواصم الأوروبية.
ويشمل ذلك المطالبة بمراجعة مدى الالتزام بأحكام اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية، بما فيها الالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان، ودراسة التدابير المتاحة وفق الأطر القانونية المعتمدة، إلى جانب حشد دعم أوروبي أوسع لوقف الاستيطان والهدم غير المشروع والتهجير القسري، وحماية حل الدولتين.
كما ينبغي الانتقال من تقديم المساعدات الإنسانية وحدها إلى مقاربة تربط الدعم الاقتصادي والسياسي بأفق واضح لإنهاء الاحتلال وتحقيق حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، مع تعزيز المساعدات المخصصة للمناطق المهددة والنازحين والمتضررين.
مجلس الأمن والقانون الدولي: مسارات لم تُستنفد
إن الدعوة إلى عقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن الدولي يجب ألا تكون خطوة بروتوكولية، بل جزءاً من خطة دبلوماسية تتضمن ملفاً موثقاً بشأن الهدم والإخلاء والنزوح والاستيطان، ومطالب محددة بوقف الإجراءات المخالفة للقانون الدولي، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف لعودة السكان إلى منازلهم حيثما كان ذلك ممكناً.
وإذا حالت الخلافات الدولية أو استخدام حق النقض دون صدور قرار مطلوب، فإن ذلك لا يعني نهاية المسار؛ إذ يمكن مواصلة التحرك عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتنسيق المواقف مع الدول المعنية، وتفعيل الآليات الدولية المتاحة، ومتابعة المسارات القضائية وفق اختصاص كل جهة.
وفي هذا السياق، يشكل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 مرجعية قانونية مهمة، إذ خلصت المحكمة إلى عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وأكدت ضرورة إنهائه بأسرع ما يمكن، وتناولت التزامات الدول بعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني وعدم تقديم المساعدة في استمراره.
ويجب توظيف هذه المرجعية في التحرك السياسي والقانوني، مع التمييز بين الطبيعة الاستشارية للرأي وبين الأحكام الملزمة الصادرة في القضايا النزاعية، والاستناد إلى الأدلة والتوثيق الدقيق عند بحث المسؤوليات القانونية المتعلقة بكل واقعة.
هل ضاقت الخيارات أم غابت المبادرة؟
تواجه السلطة الفلسطينية ضغوطاً مالية وسياسية وميدانية معقدة، لكن ضيق هامش الحركة لا يعني انعدام الخيارات. فالمشكلة ليست في غياب المسارات الدولية، بل في مدى القدرة على جمعها ضمن استراتيجية واحدة، تربط بين التحرك العربي والأوروبي والأممي، والتوثيق القانوني، وتعزيز الصمود، والإصلاح الداخلي، واستعادة الثقة الشعبية.
ويتطلب ذلك وضع خطة طوارئ وطنية تتضمن سيناريوهات واضحة للتعامل مع أي خطوات إسرائيلية تستهدف صلاحيات السلطة أو وحدة المؤسسات والأرض، وتحديد خطوط سياسية وقانونية لا يجوز تجاوزها، وإطلاق حوار وطني شامل يمنع الانقسام من إضعاف القدرة على مواجهة التحديات.
كما ينبغي أن يكون التحرك الفلسطيني استباقياً لا انتظارياً، وأن يُبنى على تقديرات موثقة للسيناريوهات المحتملة، لا على افتراض أن كل تصريح إسرائيلي يعني بالضرورة قراراً نهائياً. فالمطلوب الاستعداد للمخاطر من دون تهويل، والتحرك من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية غير محسوبة يدرك الجميع خطورة تداعياتها.
الخلاصة: المطلوب خطة لحماية الأرض والإنسان والمشروع الوطني
إن ما تشهده مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وما تواجهه التجمعات الفلسطينية في مسافر يطا والأغوار، وما يجري في الخليل، يضع القيادة الفلسطينية والمؤسسات العربية والدولية أمام مسؤولية سياسية وإنسانية وقانونية.
ولا يكفي أن تتكرر بيانات الشجب والاستنكار بينما تتواصل معاناة السكان وتتزايد المخاوف من فرض وقائع جديدة. المطلوب تحرك دبلوماسي منظم، وخطة عربية وأوروبية واضحة، ومبادرة فلسطينية عاجلة داخل الأمم المتحدة، وبرنامج وطني لحماية السكان وتعزيز صمودهم، بالتوازي مع توحيد القرار الفلسطيني واحترام القانون والإصلاح المؤسسي.
إن السؤال الذي ينبغي أن يتصدر النقاش الوطني اليوم هو: هل تتحرك القيادة الفلسطينية لمنع فرض ترتيبات جديدة تنتقص من وحدة الأرض والقرار والسيادة، أم تنتظر اتضاح المفاجأة بعد أن تكون الوقائع قد ترسخت؟
فحماية المشروع الوطني لا تتحقق بإدارة الانتظار، ولا بالمواجهة العسكرية غير المحسوبة، بل باستراتيجية تجمع بين السياسة والقانون والدبلوماسية والوحدة الوطنية. والهدف يجب أن يبقى واضحاً: حماية الإنسان الفلسطيني وأرضه وحقوقه، ومنع تحويل الإجراءات الأحادية إلى واقع دائم، وصون حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي ومحلل سياسي