حيرتان وحسرتان

بهاء رحال

يناير 3, 2026 - 14:24
حيرتان وحسرتان

حيرتان وحسرتان

بهاء رحال

حيرةٌ على مصائرنا المجهولة، المتروكة على دكّة الانتظار في دهاليز العالم المحكوم بالغطرسة وسياسات الهيمنة والقوة المفرطة، وغياب القانون الدولي، والمواثيق التي أقرتها هيئة الأمم، وحقوق الإنسان وحقوق الشعوب. وحسرةٌ على واقع الحال الصعب، وقد صارت أيامنا مثخمةً بالجراح ونزف الذات أمام كل ما يحدث، فما نعيشه هذه الأيام يجعلنا نشارك الطفل الغزّي الذي رفع يديه إلى السماء صارخًا وهو يبكي فقدانه عائلته: يا الله، ما الذي فعلناه لنحصد هذا الخراب؟ وماذا الذي ارتكبناه لنجني كل هذا الموت والدمار؟ ولتعيش الأجيال في متوالية بين النكبة والنكسة والخيبة والإبادة، تصل الماضي بالحاضر في عقودٍ اتسمت بالخراب واتساع رقعة المأساة، ولا مستقبل للأجيال التي لا ترى أمامها غير هذا الواقع الآثم والحاضر اللئيم، في تراتبية الخيبة المنكَّسة لكل الآمال، المتجهّمة فوق أيامهم وفصول حياتهم، وهي تدفع إليهم بمزيد من البؤس القاهر والمعاناة التي تثقل كاهلهم، وتجعلهم أكثر إحباطًا وأقل تفاؤلًا.

حيرةٌ على فصل الزمان المرّ بمرارة الأحداث وعلقم الواقع الذي بتنا فيه نراوح مكاننا، في ظل غياب الأفكار الرشيدة القادرة على استنهاض الحال، أمام هذا السقوط المدوي والتراجع المميت. وحسرةٌ على ما أصابنا من خذلان وسط الخراب الممتد في سنواتٍ لم يُغَثْ فيها الناس، بل تواصلت عليهم فصول القهر والقتل والموت، وتضاءلت الآمال وانكفأت الأمنيات، ولا أمل يسكن هذا المجهول المنتظر بعد أن تضع الحرب أوزارها (هذا إن وضعت)، فوحده الضباب يخيّم على المشهد، ووحدها الألوان الباهتة، الأكثر رمادية، تطلّ من ثناياه، ولا زهو في الصورة المعتمة.

حيرتان وحسرتان تدقّان نواقيس الخطر، وتطرقان ألف خزان، ليسمعهما كل ولاة الأمر، لعلهم يلتقطونهما، ويتخذون ما يلزم لتغيير واقع الحال؛ فإن المسؤولية تعني تغيير الظرف الراهن، وليس الاستسلام له، وإن العجز في الصمت لا في المحاولة، وإن الحياد فعل خذلان في هذه الظروف، فالواقع الصعب يستدعي اتخاذ المواقف بعد استخلاص العِبَر، لأن البقاء على ذات الحال مصيبة، والانكفاء والصمت نذير شؤم سيجلب المزيد من الويلات.

حيرتان وحسرتان تثقلان الجسد الفلسطيني المنهك، الذي اجتمعت عليه كل أشكال التطرّف والإرهاب، وكل فصول الإجرام والدموية، ومحاولات الطمس والتهجير المستمرة، وفق خططٍ ونوايا عنصرية لم تتوقف.

إنها حيرتان وحسرتان تجوبان النفس، في محاولةٍ لتفكيك بعض الصمت، لعلّ شيئًا يحدث يغيّر هذا الواقع، ويكون بوسع الفلسطيني أن يلتقط أنفاسه؛ فهذه السنوات المُنهِكة كانت ذروة الألم وذروة المعاناة وذروة الموت والفقد.