بين الهجوم والدفاع.. كيف يحاول ستارمر تبرير المشاركة في الحرب ضد إيران؟
يواجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر تحدياً سياسياً وعسكرياً معقداً في ظل تصاعد الغارات الجوية الأمريكية المنطلقة من الأراضي البريطانية ضد أهداف إيرانية. ويحاول ستارمر رسم خط فاصل دقيق بين تصريحاته الرسمية التي تنفي انخراط بلاده في حرب اختيارية، وبين الواقع الميداني الذي يشير إلى مشاركة واسعة النطاق عبر القواعد الجوية البريطانية.
وأفادت تقارير صحفية بأن ستارمر أكد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن القاذفات المتمركزة في بريطانيا مسموح لها فقط بتنفيذ عمليات تخدم المصالح البريطانية ومصالح الحلفاء في الشرق الأوسط. ويهدف هذا الإطار إلى حصر العمليات في استهداف منصات إطلاق الصواريخ التي تهدد المنشآت البريطانية، مع استبعاد قصف مراكز القيادة السياسية أو منشآت الطاقة في إيران.
وفي محاولة لطمأنة المشرعين والرأي العام، شدد ستارمر على أن بلاده لن تنجر إلى صراع إقليمي واسع النطاق، مؤكداً أن التحركات العسكرية تندرج تحت بند الدفاع عن النفس. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذا التمييز بين الهجوم والدفاع يبدو هشاً أمام طبيعة الحرب الحديثة والتعقيدات الميدانية المتزايدة.
وتشهد قاعدة فيرفورد التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني حشداً عسكرياً أمريكياً غير مسبوق مع دخول المواجهة أسبوعها الخامس. وتكشف بيانات تتبع الرحلات الجوية عن وجود أكثر من اثنتي عشرة قاذفة من طراز 'بي-1' ونحو ست قاذفات من طراز 'بي-52' تنطلق بانتظام لتنفيذ مهام قتالية ضد مواقع إيرانية.
وأكدت مصادر عسكرية أن القاذفات الأمريكية، ومن بينها طائرات تحمل أسماء رمزية مثل 'العصا الكبيرة'، تمثل العمود الفقري للعمليات الجوية الحالية. وتتميز هذه الطائرات بقدرتها على حمل ذخائر شديدة الفتك وقنابل خارقة للتحصينات، مما يجعل دورها محورياً في تدمير القدرات العسكرية الإيرانية.
من جانبه، أوضح الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية أن هذه القاذفات تنفذ عدداً كبيراً من الضربات المؤثرة داخل العمق الإيراني. وتصنف البنتاغون هذه العمليات كضربات هجومية استراتيجية، وهو ما يتناقض مع السردية البريطانية التي تصر على الطابع الدفاعي للمشاركة.
ويرى محللون سياسيون أن بريطانيا تحاول تلبية مطالب واشنطن العسكرية مع الحفاظ على هدوء الجبهة الداخلية الرافضة لأي تورط في حرب جديدة. ويشير الخبراء إلى أن هذا الموقف المزدوج يهدف إلى تجنب غضب الإدارة الأمريكية الحالية دون إثارة احتجاجات شعبية واسعة في الشارع البريطاني.
وكان ستارمر قد عدل موقفه تدريجياً منذ اندلاع الأزمة، حيث بدأ برفض استخدام القواعد البريطانية قبل أن يسمح بها لأغراض دفاعية محدودة. ومع إغلاق إيران لمضيق هرمز، وسع رئيس الوزراء تفويض العمليات ليشمل حماية تدفق إمدادات النفط والغاز العالمية التي تأثرت بشدة جراء التصعيد.
وتلعب الذاكرة السياسية البريطانية دوراً كبيراً في تردد ستارمر، حيث لا تزال تجربة حرب العراق عام 2003 تلقي بظلالها على قرارات الحكومة. ويخشى رئيس الوزراء من تكرار سيناريو الانخراط في حرب غير شعبية تقودها الولايات المتحدة، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية الراهنة.
وعلى الصعيد البرلماني، أكد أعضاء في لجنة الدفاع أن الولايات المتحدة تعتمد بشكل جوهري على الدعم اللوجستي والقواعد البريطانية لمواصلة حملتها الجوية. وأشاروا إلى أن الطائرات المغادرة من القواعد البريطانية ملزمة قانونياً بالامتثال للقواعد الدولية والمعايير التي تضعها لندن للأهداف العسكرية.
وفي سياق متصل، تواصل وزارة الدفاع البريطانية تعزيز حضورها العسكري في المنطقة، حيث تم نشر المدمرة 'إتش إم إس دراغون' بالقرب من السواحل القبرصية. وتصدر الوزارة بيانات يومية تؤكد فيها تنفيذ مئات ساعات الطيران الدفاعية لحماية القوات والمواطنين البريطانيين في الشرق الأوسط.
وأعلن وزير الدفاع جون هيلي أن سلاح الجو الملكي سجل نحو 900 ساعة طيران منذ بدء العمليات، وهو أعلى مستوى من النشاط الجوي البريطاني في المنطقة منذ 15 عاماً. وشملت هذه المهام اعتراض مسيرات هجومية وتأمين الأجواء فوق دول حليفة مثل الأردن وقطر والبحرين والإمارات.
في المقابل، ترفض طهران التمييز البريطاني بين الهجوم والدفاع، وتعتبر استخدام القواعد البريطانية عملاً عدوانياً مباشراً ضد سيادتها. وحذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن هذه السياسة تعرض حياة المواطنين البريطانيين للخطر وتجعل من لندن شريكاً في التصعيد.
ويبقى التحدي الأكبر أمام ستارمر هو موازنة الضغوط الداخلية المتعلقة بارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة مع الالتزامات العسكرية تجاه الحلفاء. ويؤكد رئيس الوزراء أن حماية المواطنين البريطانيين من تداعيات الحرب الاقتصادية تظل أولوية، رغم اعترافه بصعوبة فصل المصالح الوطنية عن الصراع الإقليمي الجاري.





