أمريكا بين كلفة الحرب وتراجع الهيمنة ، وترامب يتغنى بجرائمها عبر التاريخ .
* مروان إميل طوباسي .
أمريكا بين كلفة الحرب وتراجع الهيمنة ، وترامب يتغنى بجرائمها عبر التاريخ .
* مروان إميل طوباسي .
لم يكن القرار الأمريكي بالانخراط في التصعيد الأخير قراراً عابراً أو معزولاً عن إدراك عميق بتداعياته ، خصوصاً على صعيد الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة . فالولايات المتحدة ، بما تمتلكه من مؤسسات وخبرات ، تدرك جيداً أن أي توتر في منطقة الشرق الأوسط حتى في ظل شراكتها الإستراتيجية مع اسرائيل سينعكس مباشرة على أسواق النفط والغاز ، وعلى الاستقرار الاقتصادي العالمي ، بل وحتى على الداخل الأمريكي نفسه ، الذي نشاهد مظاهره اليوم من خلال المظاهرات الجارية هنالك وبالعواصم الأوروبية ايضا . ومع ذلك ، أقدمت على هذا المسار ، رغم تباعد بعض حلفائها وتصاعد أصوات داخلية رافضة للحرب ولسياسات الترامبية العقائدية التي مثلها ترامب في خطابه الحربي للأمة هذه الصباح الذي جمع فيه مجموع تغريداته السابقة وابتعد به عن أدنى الاشكال العقلانية التي مثلت بعض مفاصل السياسات الأمريكية السابقة ، ومتغنياً بجرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة عبر تاريخها ومتوعدا باعادة الشعوب الى العصور الوسطى ، في محاولة لتبرير اخفاقاته .
وهنا يبرز السؤال الاساسي ، لماذا تتخذ الإدارة الامريكية في واشنطن قراراً يبدو مكلفاً اقتصادياً وسياسياً على هيمنتها ؟
الإجابة قد تكمن باعتقادي في أن منطق القرار الأمريكي لم يعد محكوماً فقط بحسابات الربح والخسارة الاقتصادية المباشرة ، بل بمنظور أوسع يتعلق بإدارة موقعها في النظام الدولي . فالولايات المتحدة ، التي قادت العالم وفق هيمنة القوة لعقود في ظل نظام أحادي القطبية ، تجد نفسها اليوم أمام تحولات عميقة ، مع صعود قوى كبرى مثل الصين وعودة روسيا إلى مسرح التأثير الدولي ، إلى جانب تنامي أدوار قوى إقليمية قادرة على فرض معادلات جديدة كما هو الحال مع إيران وحلفائها والتغيرات الجارية بالمواقف الأوروبية ودول أخرى حول العالم .
في هذا السياق ، يمكن فهم التصعيد الأمريكي باعتباره محاولة لإعادة تثبيت قواعد الردع ، ومنع خصومها من توسيع هامش حركتهم وقوة ردعهم . فالمسألة لا تتعلق فقط برد فعل على حدث معين ، بل بإرسال رسائل استراتيجية للعالم مفادها أن واشنطن لا تزال قادرة على التدخل من جهة وحماية أسرائيل من جهة ثانية ، وأنها لن تسمح بإعادة تشكيل موازين القوى بعيداً عن إرادتها .
غير أن هذا السلوك العقائدي غير العقلاني يكشف في جوهره عن مفارقة مهمة ، فالإفراط في استخدام القوة الغاشمة كما يحدث اليوم وفي هذه المرحلة تحديداً من وضوح قوة ردع القوى الاخرى وإدراك جوانب قوتها غير المتوقعة ، لا يعكس بالضرورة ذروة الهيمنة ، بل قد يكون تعبيراً عن قلق متزايد من تآكلها وتراجعها . فحين تضطر القوة العظمى إلى اللجوء المتكرر للأدوات العسكرية والتخبط بالمواقف التي يعلن عنها ترامب بل وبالكذب ايضا ، رغم كلفتها العالية وعدم ضمان نتائجها ، فإن ذلك يشير إلى تراجع فعالية أدواتها التقليدية الأخرى ، سواء الاقتصادية أو السياسية أو حتى الرمزية بما يعني تآكل قوتها من داخل بُنيتها .
لقد تغير العالم ، لم تعد العقوبات وحدها كافية لإخضاع الدول ، ولم تعد التحالفات الغربية متماسكة كما في السابق ، بل إن بعض الحلفاء باتوا يتخذون مواقف أكثر استقلالية ، كالدول الأوروبية في اطار "حلف الناتو" والذي بان ترامب يهدد بالخروج منه ، ومواقف بعض دول الخليج ان إقتنعت بالخروج عن التبعية الأمريكية نتيجة ما يحصل ، اضافة الى ما مثله لقاء "باكستان" اليومين الماضيين ، مدفوعين بحساباتهم الخاصة ومصالحهم الوطنية . كما أن الرأي العام العالمي أصبح أكثر تشككاً في السياسات الأمريكية ، وأقل استعداداً لتقبل رواياتها دون مساءلة كما أسرائيل ايضا التي باتت تعاني العزلة على اثر جرائمها المتكررة .
أما داخلياً ، فإن الانقسام السياسي الحاد داخل الولايات المتحدة وبداية الشعور بان ترامب يشكل خطراً على الولايات المتحدة نفسها ، وتزايد الأعباء الاقتصادية ، وتراجع الثقة بالمؤسسات ، كلها عوامل تضغط على صانع القرار بالبيت الابيض ، وتحد من قدرته على خوض صراعات طويلة أو مفتوحة . ومع ذلك ، قد تدفع هذه التحديات نفسها بعض دوائر القرار إلى تبني سياسات أكثر تشددا خارجياً قد تأخذ شكل جرائم الحرب المفاجئة ، في محاولة لتعويض التآكل الداخلي أو إعادة إنتاج صورة القوة ، من خلال بحث ترامب عن صنع صورة نصر وضمان استراتيجية خروج بأقل الخسائر له .
من هنا، يمكن القول إن ما نشهده اليوم ليس نهاية للهيمنة الأمريكية ، بل مرحلة انتقالية معقدة ، تحاول فيها واشنطن إدارة تراجع نسبي في قدرتها على التحكم المنفرد بالنظام الدولي . إنها لحظة تتداخل فها الرغبة في الحفاظ على القيادة باساليب قد تعود بالضرر على المواطن الامريكي نفسه مع واقع جديد يفرض حدوداً لهذه القيادة المتغطرسة ، خاصة فيما تتعرض له أسرائيل من ضربات صاروخية مستمرة لم تعيشها من قبل ، وما تتعرض له القواعد العسكرية الأمريكية بالمنطقة امام تغير قواعد الاشتباك وفق محاولات إيران فرض معادلات الردع .
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط ارتفاع كلفة الحروب أو اضطراب أسواق الطاقة ، بل احتمال أن تتحول السياسات القائمة على “منع التراجع او في البحث كما قلت عن صورة النصر ” إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار الدولي في ظل جنونية ترامب الذي لا يريد فهم واقع الحروب العالمية السابقة . فحين تصبح القوة أداة لإبطاء التحول التاريخي ، بدلاً من التكيف معه فإن العالم بأسره يدخل في حالة من التوتر المفتوح .
في المحصلة ، لا يبدو أن الولايات المتحدة تخوض هذه المواجهات من موقع القوة المطلقة اليوم ، بل من موقع قوة قلقة ، تدرك أن الزمن الذي كانت فيه اللاعب الوحيد المهيمن قد بدأ يتغير . وبين محاولة الحفاظ على الهيمنة ، والاعتراف بحقائق التحول الدولي الجاري ، تتشكل سياسات متناقضة ، تدفع العالم نحو مزيد من عدم اليقين والاستقرار .
إنها، ببساطة ، لحظة “إدارة تراجع الهيمنة” امام استكشاف القوى الاخرى مكامن قوتها ، في محاولة لعدم السقوط الكامل ، لا نهاية القوة ، لكنها بالتأكيد نهاية زمن الهيمنة بلا منازع للولايات المتحدة واسرائيل كحليف إستراتيجي لها ، الامر الذي يضع أمامنا فرص سياسية يتوجب استثتمارها وفق استراتيجية فلسطينية واضحة لتعزيز صمودنا ومشروع تحررنا الوطني بأدوات وبرامج تستجيب لهذه المرحلة .





