جريمة الكرك: اعتداء على حرمة الإنسان والعقيدة الإسلامية وقيم التسامح والعيش المشترك

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

أكتوبر 24, 2026 - 10:18
جريمة الكرك: اعتداء على حرمة الإنسان والعقيدة الإسلامية وقيم التسامح والعيش المشترك

جريمة الكرك: اعتداء على حرمة الإنسان والعقيدة الإسلامية وقيم التسامح والعيش المشترك
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
باحث في القانون الدولي
لم تكن الجريمة التي استهدفت كنيسة الروم الأرثوذكس في بلدة حمود بمحافظة الكرك الأردنية مجرد اعتداء مسلح أودى بحياة أبرياء وأصاب آخرين، بل كانت اعتداءً على حرمة النفس البشرية، وعلى قدسية دور العبادة، وعلى منظومة القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية التي شكّلت عبر التاريخ أساس التعايش بين المسلمين والمسيحيين في الأردن وفلسطين وسائر المجتمعات العربية.
إن خطورة هذه الجريمة لا تقف عند حدود المكان الذي وقعت فيه، ولا عند عدد ضحاياها، بل تمتد إلى ما تمثله من انتهاك للمعتقدات الدينية، ومحاولة لضرب الثقة المتبادلة بين أبناء المجتمع الواحد، وزرع الخوف والشك في بيئة تاريخية قامت على التآخي والتكافل والشراكة في الأرض والمصير.
ومن هنا، فإن إدانة جريمة الكرك ليست موقفاً سياسياً عابراً، ولا تعبيراً عن تضامن إنساني فحسب، بل هي واجب ديني وأخلاقي ووطني، ومسؤولية تجاه حماية الإنسان وكرامته وحقه في الحياة والعبادة والأمان.
أولاً: الجريمة تتناقض مع جوهر العقيدة الإسلامية
إن استهداف كنيسة أو الاعتداء على المصلين والآمنين فيها يتعارض مع جوهر التعاليم الإسلامية الصحيحة، ومع ما قررته الشريعة من حرمة الدماء وصيانة النفس الإنسانية ورفض الظلم والعدوان.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.
وهذه المبادئ لا تتيح لأحد أن يجعل الاختلاف في الدين أو العقيدة مبرراً للاعتداء على الآخرين، ولا تمنح أي فرد أو جماعة حق فرض تصوراتها بالقوة أو استباحة دماء الأبرياء.
وقد أرست السنة النبوية الشريفة قواعد واضحة في تحريم الاعتداء والقتل بغير حق، وفي الوفاء بالعهود وحماية من يعيشون في المجتمع من غير المسلمين. ومن ثم، فإن توظيف الدين لتبرير العنف ضد أصحاب المعتقدات الأخرى يمثل انحرافاً عن مقاصده، وتشويهاً لقيمه، وإساءة إلى المسلمين قبل غيرهم.
إن الإسلام الذي يدعو إلى العدل والرحمة وصون الحقوق لا يمكن أن يكون غطاءً لقتل إنسان لأنه يختلف في عقيدته، ولا يمكن أن تتحول شعارات التدين إلى وسيلة لتبرير الجريمة. فالتطرف لا يصبح فضيلة بمجرد أن يرفع شعارات دينية، والقتل لا يتحول إلى عمل مشروع بمجرد أن يحاول مرتكبه إلباسه ثوب العقيدة.
ثانياً: حرمة دور العبادة مبدأ ديني وإنساني
إن دور العبادة، بمختلف أشكالها، ليست أهدافاً مشروعة للعنف، بل أماكن يمارس فيها الإنسان شعائره الدينية في إطار من الحرية والكرامة والأمان. واستهدافها اعتداء على حرية المعتقد، وانتهاك لحق الإنسان في الحياة والأمن، وضرب لمبدأ احترام المقدسات.
وقد جاء موقف وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردني، الذي أكد أن حرمة دور العبادة مصونة وأن الاعتداء عليها يتنافى مع تعاليم الدين الإسلامي وقيم التسامح والتآخي، ليعكس وضوح الموقف الديني الأردني في مواجهة هذه الجريمة. كما أدانت الرئاسة الفلسطينية الاعتداء، مؤكدة رفضها المطلق للإرهاب والعنف اللذين يستهدفان الأبرياء ودور العبادة.
وهذا التوافق في الموقفين الأردني والفلسطيني يعبر عن حقيقة راسخة: لا يمكن حماية الدين بإهانة دين آخر، ولا صون المقدسات بانتهاك حرمة الإنسان، ولا بناء مجتمع آمن من خلال بث الكراهية والخوف.
ثالثاً: الأردن وفلسطين.. وحدة الدم والقرابة والتاريخ
لقد هزّت جريمة الكرك مشاعر الفلسطينيين بصورة خاصة، ليس فقط لأن الضحايا أبرياء، بل لأن الأردن وفلسطين تجمعهما علاقات تاريخية واجتماعية وعائلية عميقة، وروابط قرابة ومصاهرة وامتداد جغرافي وثقافي جعلت من ألم أحد الشعبين ألماً يشعر به الآخر.
فالكرك ليست بعيدة عن الوجدان الفلسطيني، كما أن مدن فلسطين وقراها ليست بعيدة عن ذاكرة الأردنيين. وبين ضفتي النهر تشابكت العائلات والمصالح والتقاليد، وتقاسمت المجتمعات الأفراح والأتراح، وظلت روابط الأخوة أقوى من الحدود والظروف السياسية.
ويكتسب هذا المعنى أهمية خاصة في ظل ما يواجهه الشعب الفلسطيني من احتلال ومعاناة واعتداءات على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وفي ظل الحاجة إلى حماية النسيج الوطني الفلسطيني القائم على الشراكة بين المسلمين والمسيحيين.
إن الدفاع عن حرمة الكنيسة في الكرك يتصل، من حيث المبدأ، بالدفاع عن حرمة المسجد، وعن حق كل إنسان في ممارسة شعائره بحرية وأمان. فالمعيار الأخلاقي والقانوني واحد، ولا يجوز أن تتغير قيمة الضحية أو حرمة المكان تبعاً لهوية المعتدي أو المعتدى عليه.
ومن هنا، فإن الموقف الفلسطيني الرافض لجريمة الكرك ليس مجاملة سياسية للأردن الشقيق، بل تعبير عن وجدان مشترك وإيمان بأن أمن الأردن واستقراره جزء من أمن المنطقة، وأن استهداف التعايش الديني يمس المجتمعات العربية كلها.
رابعاً: الوحدة الوطنية في مواجهة الفتنة
إن استهداف كنيسة لا يعني الاعتداء على أبناء طائفة بعينها فحسب، بل يمس المجتمع بأكمله؛ لأن المواطنة لا تتجزأ، والأمن لا يمكن أن يكون حكراً على فئة دون أخرى، وحرية العبادة ليست امتيازاً تمنحه جماعة لجماعة أخرى.
وقد أكد الملك عبدالله الثاني، في موقفه من الاعتداء، أن الأردنيين شركاء في الأرض والموقف، وأن محاولات شق صفهم لن تنجح. كما شددت ردود الفعل الأردنية على أن المسيحيين مكوّن أصيل من مكونات المجتمع، وأن الوحدة الوطنية تشكل أساس الاستقرار.
وهنا ينبغي التنبه إلى أن أخطر ما يمكن أن ينتج عن مثل هذه الجرائم هو السماح لها بتحقيق غايتها الاجتماعية، عبر تعميم الاتهام أو نشر الشائعات أو تحميل جماعة دينية كاملة مسؤولية فعل ارتكبه أفراد.
فالمسؤولية الجنائية فردية، وتحديد المسؤولين عن الجريمة من اختصاص القضاء والجهات المختصة، وفق الأدلة والإجراءات القانونية. ولا يجوز استباق نتائج التحقيق أو إطلاق الاتهامات بلا سند، كما لا يجوز استخدام الحادثة للتحريض على الكراهية أو الانتقام.
إن مواجهة التطرف تبدأ بإنفاذ القانون، لكنها لا تنتهي عنده؛ فهي تتطلب أيضاً تعزيز التعليم الديني المستنير، وترسيخ ثقافة المواطنة، ومواجهة خطاب التكفير والتحريض، وتوسيع مساحات الحوار والتعاون بين المؤسسات الدينية والمجتمعية.
خامساً: العدالة وسيادة القانون هما الرد المسؤول
إن المطالبة بمحاسبة مرتكبي جريمة الكرك واجب مشروع، لكن العدالة لا تتحقق بالانتقام ولا بالعقوبات خارج إطار القانون، وإنما بكشف ملابسات الجريمة، وتحديد المسؤوليات استناداً إلى الأدلة، وضمان محاكمة عادلة، وإنزال العقوبات التي يقررها القانون بحق من تثبت إدانتهم.
ويجب أن تترافق الإجراءات الأمنية مع خطاب عام مسؤول، يرفض الجريمة بوضوح، ويحمي المجتمع من الشائعات، ويصون حقوق الضحايا وذويهم، ويحافظ على السلم الأهلي.
كما أن احترام حرية الدين والمعتقد وحماية دور العبادة من المبادئ التي يقرها القانون الدولي لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تكفل حرية الفكر والوجدان والدين، والمادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحمي الحق في الحياة.
وعليه، فإن التصدي لهذه الجريمة يجب أن يكون شاملاً: أمنياً وقضائياً وثقافياً وتربوياً، من دون إخلال بالحقوق والحريات أو السماح بتحويل المأساة إلى باب جديد للانقسام.
خاتمة: الدين براءة من الجريمة والإنسانية معيار الموقف
إن جريمة الكرك تمثل امتحاناً للقيم التي تجمع الأردنيين، كما تمثل مناسبة لتأكيد أن الدين لا يُقاس بالشعارات، بل بالعدل والرحمة وصون الحقوق واحترام كرامة الإنسان.
إن الكنيسة ليست هدفاً مشروعاً، والمصلّي ليس خصماً بسبب معتقده، والاختلاف الديني ليس مبرراً للعنف. وكل محاولة لتبرير القتل باسم الدين تصطدم بحرمة النفس البشرية وبالمبادئ الأخلاقية التي تقوم عليها المجتمعات السليمة.
ومن فلسطين، التي تعرف معنى الألم حين تُستباح المقدسات وتُهدد حياة الأبرياء، نتوجه بالتعازي إلى أسر الضحايا والشعب الأردني الشقيق، ونتمنى الشفاء للمصابين، ونؤكد تضامننا مع الأردن في حماية أمنه ووحدته الوطنية.
إن الرد على جريمة الكرك يكون بالعدالة لا بالانتقام، وبالتسامح لا بالكراهية، وبالوحدة لا بالانقسام. وستبقى العلاقات الأردنية الفلسطينية، بما تحمله من روابط الدم والقرابة والتاريخ والمصير، شاهداً على أن ما يجمع أبناء هذه الأرض أكبر من محاولات الفتنة، وأن حماية الإنسان وكرامته هي جوهر الدين وميزان الأخلاق وركيزة العيش المشترك.
المحامي علي أبوحبلة
باحث في القانون الدولي